ثمة الآن فرصةٌ للتوصل إلى اتفاق سلام في أوكرانيا قبل أن تسوء الأمور. وبينما يركّز الرئيس ترامب على إيران، فقد تتلاشى فرصة سانحة للعب دور الوسيط في الحرب الأوكرانية، فعلى مدار الأشهر الماضية، أوضحت كلٌّ مِن روسيا وأوكرانيا رغبتَهما في أن تنخرط الولايات المتحدة مجدداً في المفاوضات وفي أن تبدأ مفاوضات مكثّفة لإنهاء القتال.
لكن بينما لا يزال الكرملين يُشيد بترامب، يشكك بعضُ كبار المسؤولين الروس والمعلقين البارزين في قدرة الرئيس الأميركي على لعب دور الوسيط الفعال والموثوق به في ظل استمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا. وتواصل كييف التعاون مع الأوروبيين بشأن تكتيكات التفاوض، في حين يرغب بعض المسؤولين الأوكرانيين في انخراط أوروبي مباشر أكبر، مما قد يُعمّق الفجوةَ مع موسكو، ويُقلّل فرصَ السلام.
وتستند الحجة المؤيدة لإعادة التدخل الأميركي الفوري إلى سببين، أولهما دخول الصراع في دوامة تصعيد خطرة، مع تصعيد أوكرانيا ضرباتها على أهداف في عمق الأراضي الروسية والبنية التحتية للطاقة والأهداف العسكرية، مع تصريحات روسية متوعدة برد أشد قسوة على ما يصفه بالهجمات الإرهابية. وفي المقابل، صعدت روسيا هجماتها الجوية على المدن الأوكرانية والبنية التحتية الحيوية، مستغلةً تراجع مخزون أوكرانيا من صواريخ الدفاع الجوي، بينما تستعد كييف لشتاء جديد تخشى أن يكون بالغ القسوة. كما تتزايد المخاوف الأوروبية من اتساع نطاق الحرب، مع اختراق الطائرات المسيرة الأوكرانية والصواريخ الروسية، عن قصد أو غير قصد، المجالَ الجوي لدول أعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، واستمرار تهديدات موسكو للدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا بتسريع عسكرة القارة، بينما تؤكد العواصم الأوروبية أن إجراءاتها ضرورية لمواجهة التهديدات الروسية.أما السبب الثاني فهو أن الأوضاع أصبحت مهيأة للتوصل إلى تسوية. فكلا الطرفين بحاجة إلى إنهاء الصراع في أقرب وقت، إذ تواجه أوكرانيا نقصاً متزايداً في المقاتلين، وتزداد صعوبة حشد قوات جديدة، فيما يقلّل استمرار الحرب من فرص عودة ملايين الأوكرانيين الذين غادروا البلاد، ويرفع تكلفة إعادة الإعمار التي تُقدر بمئات مليارات الدولارات. ومن جانبها، تواجه روسيا أزمةً ديموغرافية وصعوبات متزايدة في تأمين جبهات القتال، مع تزايد التكاليف الاقتصادية وتباطؤ الاقتصاد. ويعني عدم الاستثمار في التقنيات المتطورة، كالذكاء الاصطناعي، أن موسكو تتأخر أكثر عن الولايات المتحدة والصين في مجالات تقنية وصناعية حيوية لجميع الدول العظمي.
وإذا توقفت الحربُ الآن، فسيكون بإمكان الطرفين إعلان النصر وتحقيق أهدافه، إذ تستطيع أوكرانيا التأكيدَ أنها حافظت على استقلالها وسيادتها وطموحها الأوروبي، بينما يمكن لروسيا الإشادة بنجاح الحرب في إحباط مساعي الغرب لإلحاق هزيمة استراتيجية بها، وفي «تحرير» ملايين الروس بشرق أوكرانيا من التبعية لكييف.
ورغم اعتقاد الطرفين أن مواصلة القتال قد تعزّز موقفيهما التفاوضيين، فإن التكلفة المتزايدة للحرب تضيّق هامشَ السعي إلى الأهداف القصوى، وتزيد من جدوى التوصل إلى تسوية تفاوضية.
وفي ظل هذه الظروف، هناك حاجة ماسة إلى مفاوضات مكثّفة لاغتنام الفرصة وإنهاء الصراع. وتظل واشنطن الطرف الوحيد الذي يمتلك القدرة السياسية والنفوذ وقنوات الاتصال اللازمة لقيادة جهد دبلوماسي شامل، إذ تستطيع التواصل مع موسكو وكييف، وكذلك مع العواصم الأوروبية عند الحاجة. لذا، يطالب الطرفان بعودتها إلى الوساطة، فيما ترفض روسيا اعتبار أي دولة أوروبية وسيطاً مقبولاً.
ولهذا، ينبغي أن يوفد ترامب مبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى كييف أولاً لإظهار تجدد الانخراط الأميركي، ثم إلى موسكو لإجراء محادثات مع الكرملين. ولا ينبغي توقع انفراجة سريعة، إذ يكمن الهدف في تهيئة الأجواء لجولة مكثفة من الدبلوماسية المكوكية لتقليص الفجوات الشاسعة بين الجانبين.
ولا يوجد ما يضمن نجاحَ هذه الجهود أو تحقيق نتائج سريعة، لكن فرصة التوصل إلى تسوية لا تزال قائمة. وإذا أرادت واشنطن اختبارَ إمكانية إنهاء تلك الحرب، فعليها التحرك الآن قبل أن يغلق التصعيدُ البابَ الذي بدأ الإرهاقُ الذي أصاب الطرفين يفتحه أمام الحل الدبلوماسي.
*باحث في شؤون روسيا وأوراسيا بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»