عندما وقع الرئيس دونالد ترامب العام الماضي، ما يسمى بـ«القانون الشامل والجميل»، أعلن الكثير من المعنيين بالمناخ أن التحول في قطاع الطاقة في أميركا قد انتهى. فقد ألغى القانون غالبية المنح والقروض التي أقرها قانون خفض التضخم لعام 2022، وألغى تدريجياً الإعفاءات الضريبية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية، بالتزامن مع تخفيف إدارة ترامب للوائح المتعلقة بالوقود الأحفوري.
لكن التوقعات كانت سابقة لأوانها بالنسبة لقطاع الطاقة، فرغم أن سياسات الإدارة ستؤدي إلى انخفاض إنتاج الطاقة النظيفة وارتفاع أسعارها، إلا أن التحول في قطاع الطاقة لم ينتج عن القوانين بل عن الابتكار التكنولوجي وقوى السوق والمنافسة الجيوسياسية ومتطلبات الأمن القومي. وتؤثر السياسات في سرعة التحول، لكنها لا تغير اتجاهه.
وقد أوضحت في بحث جديد، نُشر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أنه على مدى العقد القادم، سيتم بناء نحو ثلاثة أرباع قدرة الكهرباء النظيفة التي كان مخططاً إضافتها بموجب قانون إعادة استثمار الطاقة ومسار لوائح محطات الطاقة. كما سيتم تحقيق ما يزيد قليلاً على ثلثي تخفيضات انبعاثات قطاع الطاقة.
وتكشف هذه التطورات أن الأولوية لم تعد استعادة السياسات السابقة، بل معالجة أوجه القصور فيها. فقد ركز قانون خفض التضخم على دعم تقنيات راسخة كان السوق سيتوسع فيها في كل الأحوال، بينما لم يمنح الاهتمام الكافي لمصادر الكهرباء النظيفة القادرة على العمل باستمرار، كما تجاهل العقبات التنظيمية التي تبطئ إنشاء المشروعات وشبكات نقل الكهرباء.
علاوة على ذلك، فقد ولى زمن إقرار قانون إعادة استثمار الطاقة، وكذلك الحماس لمكافحة تغير المناخ، والتمويل الزهيد وسياسة إعطاء الأولوية للوظائف، حيث تدور السياسة اليوم حول الطلب المتزايد على الطاقة، واستنزاف الموارد المالية، والقدرة على تحمل التكاليف. وسيواجه المشرعون مفاضلات صعبة بين أولويات السياسة.
ويشير البحث إلى أن أهداف المرحلة القادمة من سياسات المناخ، تتضمن أربع إجابات، أولها إصلاح نظام التراخيص الشامل، الذي يحظى بدعم الحزبين كأهم إجراء لإطلاق الطاقة النظيفة. وتشكل عقبات التراخيص، تكاليف ضخمة للمشاريع، وغالباً تؤدي إلى إلغاء المشروعات بالكامل.
ثانياً، يجب مقاومة الاندفاع نحو تمديد الإعفاءات الضريبية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية. لا تُسهم هذه الإعانات في جعل أسعار الكهرباء في متناول الأسر والشركات التي تدفعها، كما أنها ليست الحل الأمثل لتعزيز نشر الطاقة المتجددة، فهي تعالج الأعراض وتترك أصل المشكلة، إذ تقتصر فائدتها على مكافأة المشروعات، التي تنجح في تجاوز التعقيدات المرتبطة بالحصول على التصاريح والربط بشبكة الكهرباء.
ثالثاً، يجب التحلي بالشفافية بشأن متطلبات الموثوقية خلال عملية إزالة الكربون، إذ تحتاج الشبكة الكهربائية إلى طاقة متوفرة باستمرار، والغاز هو المصدر الرخيص الوحيد القادر على توفيرها اليوم. إلا أن التقرير يُبرز حقيقة مُزعجة، وهي أن أسطول الوقود الأحفوري لا يتقلص حتى مع نمو مصادر الطاقة المتجددة.
لذا، لا ينبغي أن يكون الهدف هو منع استخدام الغاز، بل إدارته. ويجب السعي إلى تطبيق تدابير لخفض انبعاثات الكربون، مثل فرض رسوم على غاز الميثان ومعايير تعتمد على كثافة الاستهلاك. كما ينبغي عدم تشجع إنشاء محطات غاز جديدة خارج شبكة الكهرباء، والتي تخدم عادة جهة واحدة فقط، مثل مراكز البيانات. فالإبقاء على هذه المحطات متصلة بالشبكة سيجبرها على منافسة الكهرباء النظيفة، كما سيوفر استثمارات ضرورية لتحديث شبكة الكهرباء.
رابعاً، ينبغي زيادة الاستثمار في تقنيات «الطاقة النظيفة المستقرة»، مثل الطاقة الحرارية الجوفية، والطاقة النووية المتقدمة، واحتجاز الكربون، والاندماج النووي، لأنها تمثل البديل الحقيقي للوقود في توفير كهرباء نظيفة على مدار الساعة، وتحظى بدعم الحزبين لما تتميز به من موثوقية واستقرار في الأسعار وإمكانات تصديرية.
ورغم تنامي الطلب عليها، فإن هذه التقنيات لا تزال في مرحلة التوسع التجاري، وتحتاج إلى تمويل أكبر، إذ لا تكفي الإعفاءات الضريبية الحالية لضمان التوسع، ما يستدعي زيادة القروض منخفضة التكلفة وبرامج المنح للمشروعات الرائدة.
تتفق التوصيات الأربع في نفس المنطق المالي الذي ينص على التوقف عن إنفاق المال العام على تقنيات الطاقة الراسخة وتوجيهه نحو شبكة الكهرباء والابتكار اللازمين لخفض الانبعاثات الكربونية بشكل جذري، مع تقييم السياسات وفق نتائجها لا طموحاتها.وينبغي للمجتمع المعني بالمناخ البناء على ما بقي من سيطرة «الجمهوريين» على السلطة، والتركيز على إنشاء شبكات الكهرباء، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، إضافة إلى بناء محطات الطاقة النظيفة. كل ما عدا ذلك يعتبر ثانوياً.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*باحثة زائرة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا.