تزامنت الذكرى الخمسون لرحيل أهم فلاسفة القرن العشرين، ألا وهو مارتن هايدغر الذي توفي في 26 مايو 1976، مع صدور كتاب جديد له لم يُنشر من قبل، بعنوان «حول ماركس»، هو خلاصة الأفكار التي دوّنها في ثلاثينيات القرن الماضي حول فيلسوف المادية التاريخية. عندما كتب هايدغر تلك الملاحظات، كان ماركس قد اكتسح الحقل الفكري والسياسي، بأعماله واسعة الانتشار التي شكّلت المعين الأيديولوجي لنصف المعمورة منذ ثورة 1917 في روسيا وما تلاها من توسُّع المنظومة الاشتراكية في آسيا وشرق ووسط أوروبا، بالإضافة إلى تأثيرها القوي في أميركا اللاتينية وأفريقيا.
ومنذ أربعينيات القرن العشرين، هيمنت التصورات الماركسية حول الثورة والاستلاب والمركزية الحزبية.. إلخ، على الفكر العربي، الذي لم يَعرف وقتها الكثيرَ عن هايدغر. وربما كان الديبلوماسي اللبناني الراحل شارل مالك هو العربي الوحيد الذي تتلمذ على هايدغر، وإن لم يتأثر به فلسفياً في مقاربته الشخصانية المتجذِّرة في التقليد اللاهوتي المسيحي.
كما أن الباحث الجامعي المصري عبد الغفار المكاوي قد يكون حضر بعض دروسه في فرايبورغ في الستينيات، وهو الذي ترجم عدداً من كتبه إلى العربية. أما الفيلسوف المعروف عبد الرحمن بدوي فقد زار ألمانيا في الأربعينيات، وكان تأثره واضحاً بهايدغر، في كتابه «الزمان الوجودي»، الصادر عام 1945، لكنه تخلّى من بعد عن نزعة هايدغر الأنطولوجية لصالح الفلسفة الوجودية الإنسانية.
لماذا كان تأثير هايدغر محدوداً في الفكر العربي الحديث بالمقارنة مع فيلسوف ألماني آخر هو ماركس الذي هيمن على الخطاب الفلسفي والأيديولوجي العربي، خصوصاً بعد هزيمة 1967؟ لعل الإجابة عن هذا السؤال كامنة في مؤلفات عبدالله العروي الأولى («الأيديولوجيا العربية المعاصرة» و«أزمة المثقفين العرب» و«العرب والفكر التاريخي»)، التي تبيّن أن ماركس الذي تم توظيفه عربياً، ليس الفيلسوف الذي ينتمي لتقليد نقدي تاريخاني طويل، بل ماركس الأيديولوجي الذي يراد منه تقديم حلول ناجعة لمعضلة التأخر التاريخي للمجتمعات العربية وسبل حلّها ضمن مشروع التغيبر الراديكالي الثوري. وهكذا تم تجاهل الجوانب الفلسفية الثرية في النَّص الماركسي، وهي التي يقف عندها هايدغر في الكتاب الذي نُشر مؤخراً، مثل مقاربته للشغل من حيث هو مبدأ انتظام العالم الحديث، وتصوره لحركية التاريخ الغربي وفق أنماط الإنتاج الاقتصادي، وأفكاره الثرية حول التقنية في ارتباطها بالنظرة النفعية التحويلية للطبيعة وما تؤدي إليه من ظواهر الاغتراب والاستلاب.
لم يكن هايدغر ليستميل الخطاب الأيديولوجي العربي في نظرته النقدية للتقنية التي اعتبرها البنيةَ الميتافيزيقية للعصور الحديثة، وتصوره للأصالة التاريخية في مقابل سردية التقدم التاريخي. والواقع أن هايدغر لم يخرج من الأفق الثقافي والتاريخي الأوروبي، ومن ثم لم يؤثّر كثيراً خارج السياق الغربي الذي هو مجال اهتمامه الأوحد. لقد تغيرت الصورة في العقود الثلاث الأخيرة، من خلال الاهتمام الفلسفي العربي غير المسبوق بهايدغر، عبر مسالك جديدة هي: التأويلية الوجودية والتفكير اللغوي وتاريخية الفلسفة، بما نلمسه في كتابات محمد محجوب وفتحي المسكيني في تونس، وعبد السلام بنعبد العالي في المغرب، وعلي حرب في لبنان.
هذا الاهتمام الفلسفي العربي الجديد، عكس تراجعَ الأيديولوجيات الثورية والتعبوية وأفكار الالتزام والوعي النضالي، في الوقت الذي شكّلت الدائرة التراثية المعقل الأخير للمدرسة الماركسية العربية (كما ظهر في مشاريع طيب تزيني وحسين مروة ومحمد عابد الجابري).
بيد أن هايدغر العربي الجديد ليس الفيلسوف القومي المحافظ والمدافع عن المركزية الثقافية الغربية في «جذورها اليونانية» التي اعتبرها الطريقَ الأوحد لسؤال الوجود الذي هو سؤال الفلسفة، بل هو هايدغر الناقد للحداثة والكاشف عن تناقضاتها الداخلية، الذي خرج عن المسار الميتافيزيقي للفكر الغربي. وبعبارة أخرى إنه هايدغر بعيون دريدا وفوكو، المتناغم مع الخطاب ما بعد الكولونيالي للنُّخب الجنوبية في صراعها مع الهيمنة الغربية.
لا شكّ أن هذه القراءة مشروعة ومبررة، وإن كانت تختلف عن المقاربات السائدة في الدراسات الفلسفية الأوربية التي يسيطر عليها هاجس موقف هايدغر المتعاطف مع النازية في أوج نفوذها في ألمانيا. كثيراً ما يُتهم هايدغر بالسكوت عن الرافد اليهودي الإسلامي في الفلسفة الوسيطة، إلى حد إهمال سبينوزا الذي هو حلقة أساسية في التفكير الفلسفي، وقد ينتج عن الاهتمام العربي الراهن بفيلسوف الكينونة سد هذه الثغرة النظرية والمنهجية من خلال استكناه المسكوت عنه من حضور عربي إسلامي كثيف في النص الهايدغري.
*أكاديمي موريتاني