تناولنا في مقال سابق نبذةً مختصرةً عن وكلاء الذكاء الاصطناعي في ظل الطفرة التكنولوجية التي يشهدها الذكاء الاصطناعي، والذي لم يعد دوره يقتصر فقط على الإجابة عن الأسئلة، بل تطور إلى ما يُعرف بالوكلاء، وهي الأنظمة التي لا تكتفي بتوليد النصوص، بل تمتلك القدرة على التخطيط، واستدعاء واجهات البرمجة، واتخاذ القرارات، وتنفيذ الإجراءات بشكل مستقل. وبالتالي فهي أنظمة لديها القدرة على العمل في بيئة معقدة الأهداف دون الحاجة إلى توجيه بشري بصورة دائمة. ولتلك الأنظمة أهمية استراتيجية كبرى حولتها من أداة مساعدة في عصر الذكاء الاصطناعي إلى شريك حقيقي في العديد من الإنجازات البشرية، وذلك بفضل قدرتها على التخطيط والتكيف مع البيانات الفورية؛ بهدف رفع الإنتاجية وأتمتة العمليات. هذا التحول التكنولوجي الخطير، والذي يعكس نقلةً نوعيةً في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، يحمل في طياته أهميةً تتعلق بالعديد من جوانب حياتنا ومن أبرزها الاقتصاد، والعلم، والأبحاث، والصحة.وعلى الصعيد الاقتصادي، تبرز أهمية وكلاء الذكاء الاصطناعي في قدرتهم على رفع الإنتاجية بشكل جذري. فقد أصبح بإمكان الوكيل تحليل بيانات ضخمة واستخلاص تقرير كامل، أو تصميم وإدارة حملة تسويقية من الألف إلى الياء. وهذا التطور ساهم في توفير ساعات العمل ومنح الفرصة للموظفين للتفرغ للمهام الإبداعية والاستراتيجية. وعلى الصعيد العلمي والبحثي، فقد أتاح وكلاءُ الذكاء الاصطناعي الفرصةَ لتسريع وتيرة الاكتشافات العلمية، وذلك من خلال القدرة على صياغة فرضيات جديدة، وإجراء تجارب محاكاة، وتحليل نتائجها، ثم تعديل مسار التجارب بناءً على ما توصّل إليه الوكيل، وكل ذلك بسرعة تفوق قدرة الباحث البشري بمفرده. هذا النوع من «التسريع المعرفي» بدأ بالفعل يُحدث فرقاً في مجالات مثل اكتشاف الأدوية.
أما في القطاع الصحي، فتبرز أهمية وكلاء الذكاء الاصطناعي في القدرة على متابعة المرضى بشكل مستمر، وتحليل الأعراض، وتنسيق المواعيد والتحاليل.. مما يخفف العبءَ عن الكوادر الطبية ويحسّن جودةَ الرعاية. وبناءً على أهمية وكلاء الذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت الدول والحكومات تعتمد بصورة متسارعة عليهم في إدارة الخدمات العامة، وتحليل السياسات، ومراقبة الأزمات (خاصةً الكوارث الطبيعية) في الوقت الفعلي، بما يعزز سرعةَ الاستجابة وفعالية اتخاذ القرار. وبالتالي فإن وكلاء الذكاء الاصطناعي ليسوا فقط أداة تقنية فائقة الذكاء عابرة، بل هم تمهيد لمستقبل يتم فيه إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة على أساس الشراكة الفعّالة، لا الاستبدال أو الإحلال.
ولذلك السبب تسعى العديدُ من الحكومات إلى تطوير أطر حوكمة رشيدة تواكب سرعة تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي، وخاصة في ظل الانعكاسات الخطيرة لما حدث الشهر الماضي عندما استطاع وكيل تابع لشركة Open AI الهروبَ من بيئته الآمنة، أو ما يطلق عليها Sandbox، مستغلا ثغرةً لم ينتبه لها مهندسو الشركة. هذه الحادثة ألقت بظلالها على خريطة مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي، والذين بالرغم من أهميتهم لبني البشر فقد برهنوا كذلك على أنهم مصدر خطورة لا يستهان به مطلقاً. تلك الخطورة كان لها جانب يعلمه مخترعو وكلاء الذكاء الاصطناعي، وقد قاموا بتنبيهنا له، غير أنه برز جانبٌ آخر لم يكن مطلقاً في الحسبان.
*باحث إماراتي