أظهرت دراسة نُشرت الأسبوع الماضي في مجلة «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن» أن أكثر من 1700 نوع من الفراشات في 105 دول لم تعد تعيش في مواطنها الأصلية. وهذا يعني أن ما يقرب من نوع واحد من كل عشرة أنواع من الفراشات قد انتقل إلى نطاق جغرافي جديد.
تتمتع تلك الفراشات الحساسة بقدرة ضئيلة على تحمل التغيرات البيئية، لذا عندما ترتفع درجات الحرارة أو تُجز المروج لإفساح المجال أمام أعمال البناء، تضطر الفراشات إلى الهجرة بحثاً عن بيئات أكثر ملاءمة.
ويقول شوان تشودري، رئيس مختبر علم البيئة للتغير العالمي في جامعة موناش بمدينة ملبورن الأسترالية، والمؤلف الرئيسي للدراسة: «تُغير أنواع الفراشات نطاقاتها الجغرافية في كل قارة تتواجد فيها»، ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل، أغلبها يتمثل في تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة والزراعة الصناعية.
ووجدت الدراسة أدلة على تغيرات في نطاق انتشار نحو 10% من أنواع الفراشات المعروفة، فيما وصفه الباحثون بأنه أكبر دراسة من نوعها على الإطلاق.
وعندما بدأ تشودري دراسة الفراشات في بنجلاديش، لاحظ سريعاً أنها بدأت تغادر المنطقة. وبعد أن كان من السهل في السابق العثور على 60 إلى 70 نوعاً من الفراشات في مساحة خضراء حضرية صغيرة، لكن حالياً «أصبح من الصعب للغاية العثور حتى على 15 نوعاً».
وعندما قرر تشودري معرفة ما إذا كانت الظاهرة تحدث في أماكن أخرى، لاحظ أمراً مثيراً للقلق، حيث ركزت الدراسات السابقة حول تغير نطاق انتشار الفراشات في جميع أنحاء العالم بشكل كبير على أوروبا، التي تضم أقل من 3% من أنواع الفراشات في العالم، بينما يعيش ما يقرب من 90% من أنواع الفراشات في المناطق الاستوائية، ومع ذلك، لم تتضمن سوى دراسات قليلة بيانات من تلك المناطق.
وللحصول على صورة أفضل لتحركات الفراشات على مستوى العالم، بدأ تشودري في جمع الدراسات غير المكتوبة باللغة الإنجليزية والبيانات التي أعدها باحثون في المناطق المدارية، وهو ما غير الصورة، حيث وجد تشودري وزملاؤه أنه في 32 دولة من الدول التي شملتها الدراسة، لم يعد ما لا يقل عن ربع أنواع الفراشات المحلية يعيش في المناطق التي كان يعيش فيها من قبل. وفي 10 من هذه الدول، تجاوزت النسبة النصف.
ورغم أن جميع أنواع الفراشات التي شملتها الدراسة شهدت درجة من التوسع أو الانكماش في نطاق انتشارها، فإن كثيراً منها شهد الأمرين. ووسع 80% من الأنواع التي درسها الباحثون نطاق انتشارها، واستوطنت مناطق كانت في السابق غير ملائمة للعيش فيها. فعلى سبيل المثال، كانت فراشة برتقالية ذات بقع سوداء تُعرف باسم «تاوني كوستر» تعيش في الهند وبنغلاديش وسريلانكا فقط، لكنها وسعت نطاق انتشارها خلال العقود الماضية حتى وصلت إلى أستراليا.
وفي المقابل، انكمش نطاق انتشار 27% من الأنواع التي درسها العلماء، ومن بينها الفراشة الزرقاء الصغيرة في بريطانيا، التي تراجع نطاق انتشارها بأكثر من 40% منذ عام 1983.
وسواء أكانت أنواع الفراشات تتوسع في الانتشار أو تتقلص مساحات تحركها أو كليهما، فقد وجد الباحثون أن تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة هما المحركان الرئيسيان في 79% من الحالات. كما لعب فقدان الموائل والزراعة الصناعية وعوامل أخرى دوراً في ذلك.
وقالت كانديس فالون، عالمة أحياء متخصصة في الحفاظ على الأنواع في جمعية «زيركسيس» للحفاظ على اللافقاريات، والتي لم تشارك في الدراسة: «نعلم منذ فترة أن الفراشات تغير نطاق انتشارها استجابةً لتغير المناخ، لكن هذه أول دراسة تقدم أدلة على هذا النطاق الجغرافي والتصنيفي الواسع».
ورغم أن تغير نطاق الانتشار يمثل استجابة طبيعية تساعد الأنواع الحساسة، مثل الفراشات، على البقاء، يشعر العلماء بالقلق بشأن العوامل التي تدفعها إلى ذلك. ففي الولايات المتحدة، انخفض العدد الإجمالي للفراشات بنسبة 22% بين عامي 2000 و2020.
ويرى كريس غرينتر، مدير أول لمجموعات الحشرات في أكاديمية كاليفورنيا للعلوم، والذي لم يشارك أيضًا في الدراسة، أن الفراشات بمثابة «طيور الكناري في منجم الفحم» لكوكبنا، وأن تحركاتها غالبًا ما تشير إلى تغيرات بيئية عميقة.ويقول غرينتر، إن نتائج الدراسة توضح ضرورة تشديد المراقبة العالمية لأعداد الفراشات وتعزيز جهود الحفاظ عليها. وللمساعدة في ذلك، يوصي الأفراد بزراعة النباتات المحلية، وترك المروج من دون جز، والإبلاغ عن مشاهدات الفراشات عبر المنصات المعنية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
*صحفية علمية ومخرجة أفلام.