أقر المجلسُ التنفيذي لصندوق النقد الدولي استكمالَ المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد، والمراجعة الثانية لتسهيل الصلابة والاستدامة، مما أتاح لمصر تسلمَ شريحة تمويلية بنحو 1.8 مليار دولار في أوائل أغسطس الجاري، ليرتفع مجموع ما تسلمته إلى نحو 7.3 مليار دولار، من أصل 8 مليارات دولار هي القيمة الإجمالية للبرنامج. ومن المقرر عقد المراجعة الثامنة والأخيرة في نوفمبر المقبل، على أن ينتهي البرنامج بين مصر والصندوق بنهاية العام الحالي.
وتستعد الحكومة المصرية لوضع برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد الصندوق، وهو برنامج يركز على خفض أعباء الدَّين الخارجي، والتوسع في جذب الاستثمارات المباشرة. وأشار الصندوق إلى صمود الاقتصاد المصري وتحقيقه نمواً حقيقياً في الناتج المحلي، رغم التحديات والصدمات الإقليمية والخارجية، مشدداً على أهمية تسريع وتيرة برنامج الطروحات الحكومية، وتقليص دور الدولة، لفسح المجال أمام القطاع الخاص، إلى جانب إدارة الضغوط التضخمية الناتجة عن تعديل أسعار الطاقة والوقود.
وقبل أن تتسلم مصرُ قيمةَ الشريحة الأخيرة، أعلن البنك المركزي المصري عن تسجيل الاحتياطي النقدي رقماً قياسياً بلغ 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو الماضي، وذلك بزيادة 5.9 مليار دولار خلال سبعة أشهر، وأكثر من 20 مليار دولار خلال 31 شهراً مقارنةً بنهاية عام 2023. وثمة مجموعة من العوامل اجتمعت في وقت واحد لتحقيق هذه الزيادة الكبيرة، أولها تَحسّنُ تدفقاتِ تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وعوائد السياحة، إلى جانب تدفقات الاستثمار الأجنبي، وإقبال المستثمرين الأجانب على أدوات الدَّين المحلية.. وثانيها الاستثماراتُ الخليجية التي شكلت نقطةَ تحوّل مهمة في أزمة السيولة المصرية، ولاسيما بعد تدفقات الاستثمار المرتبطة بصفقات وأصول حكومية.. وثالثها تغيّر سياسة سعر الصرف، حيث ساعد الانتقالُ إلى قدر أكبر من مرونة سعر الجنيه على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وبالتالي إعادة جزء من التدفقات الدولارية إلى القطاع المصرفي. لكن هل يعني ذلك انتهاء «الفجوة الدولارية»؟ لا يزال الاقتصاد المصري بحاجة إلى تدفقات ضخمة ومستقرة من العملات الأجنبية لتمويل واردات السلع والطاقة، ولخدمة الدين الخارجي، حيث يجب أن لا يُقرأ حجم الاحتياطي النقدي بمعزل عن حجم الدين الخارجي، واحتياجات خدمة الدين، وتدفقات الحساب الجاري.. لأن جزءاً مِن الموارد الخارجية يرتبط بالتزامات وودائع وأدوات مالية مختلفة.
أما بالنسبة للتحديات التي تواجه السياسة النقدية، فمن أبرزها ارتفاع الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية (الأموال الساخنة)، حيث أشارت الأسواق إلى أن مصر واحدة من الاقتصادات التي استفادت بقوة من تدفقات المستثمرين الباحثين عن أسعار فائدة مرتفعة. وخصوصية هذه الاستثمارات أنها يمكن أن تنعكس سريعاً إذا تغيرت الظروف العالمية. أما التحدي الثاني فيكمن في خدمة الدين الخارجي، ذلك أن الحكومة مطالَبةٌ على الدوام بسداد أقساط الديون الخارجية، ووفق تقديرات الصندوق، فقد بلغت هذه الديون حوالي 180 مليار دولار في العام المالي 2025–2026 المنتهي في يوليو الماضي، قبل أن تبدأ الانخفاض في العام المالي الحالي (2026–2027).
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية