لسان حال القارة الأوروبية العجوز يردد: «المصائب لا تأتي فرادى»، حيث تحاصرها المشاكل والأزمات من كل اتجاه، بدايةً من الحرب الروسية الأوكرانية، والتي ما تزال تتمدد وتتوسع وشبح وصولها لمناطق أخرى بات يلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى.
 بخلاف صيفها الساخن، فالنيران تلتهم الغابات في فرنسا وإسبانيا واليونان، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى أرقام قياسية بسبب التغيرات المناخية والاحتباس الحراري، مما أودى بحياة عشرات الآلاف على امتداد القارة في ألمانيا والنمسا وبريطانيا وغيرها من البلدان.
 وإلى جانب كل ما سبق، وتزامناً مع اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، الموافق 30 يوليو، صحت القارة على وقع كابوس صاعق، باجتياز عشرات الآلاف من المغاربة الحدودَ وعبورهم البحر المتوسط عند سياج سبتة الحدودية، ودخولهم الأراضي الإسبانية، ومنذ تلك اللحظة وأوروبا على صفيح ساخن، تواجه تصدعات وشروخاً تهدد بقاء الاتحاد الأوروبي ذاته.
وتندرج أحداث سبتة ضمن سياق أوروبي عام يتجه بشكل متزايد نحو تشديد سياسات الهجرة وإغلاق المنافذ أمام التدفقات غير النظامية، علماً بأن هذه أكبر موجة تدفق لمهاجرين إلى سبتة انطلاقاً من المغرب منذ عام 2021، عندما وصل نحو 10 آلاف مهاجر خلال أزمة دبلوماسية آنذاك بين الرباط ومدريد.
وتشهد القارةُ تحولاً سياسياً بارزاً يعكسه تصاعدُ نفوذ الأحزاب اليمينية المتطرفة، والتي جعلت من الملف الأمني وضبط الحدود أولويةً قصوى في برامجها الانتخابية ومواقفها السياسية.
الاقتحام والعبور الجماعي الأخير أدى إلى رفع حالة التأهب إلى الدرجة القصوى لدى الأجهزة الأمنية في المنطقة، والتي واجهت حالاتِ اختراق ميدانية واشتباكات أودت بحياة 67 شخصاً أغلبيتهم غرقاً، بحسب السلطات المحلية في سبتة، إضافةً إلى خسائر مادية في المركبات والبنية التحتية، مما استدعى إغلاقَ المعابر بالكامل، والدفع بتعزيزات أمنية للسيطرة على المنافذ.
 وقد تسببت الأحداثُ في شرخ سياسي وتصعيد دبلوماسي سريع داخل القارة الأوروبية، برز بشكل جلي في الموقف الإيطالي الصارم، إذ دعت حكومةُ روما إلى اتخاذ إجراءات عقابية وتدابير استثنائية ضد مدريد، ووصل الأمر إلى المطالبة بتعليق عضوية إسبانيا في منطقة «شنغن»، وهو مقترح حظي بتأييد فنلندا والدنمارك، لكن مدريد ردت فوراً بفرض قيود حدودية على الوافدين من إيطاليا.
وتنفيذاً لتوجيهات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعزيز عمليات التدقيق على الحدود مع إسبانيا، وأعلنت وزارةُ الداخلية التحرّكَ الفوري لتشديد إجراءات المراقبة والتفتيش على الحدود لمنع تسرب أي موجات عبر أراضيها، وتمت زيادة عدد عناصر الشرطة والدرك المنتشرين إلى خمسة أضعاف.
 وفي واشنطن، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الأزمة، معتبِراً أن المشاهد المتداولة عن تدفق المهاجرين تشبه «غزواً للبلاد»، ومتهماً إسبانيا ببذل «جهود متعمدة» لتسهيل الهجرة غير النظامية. سيد البيت الأبيض استغل الحادثَ لمخاطبة الأميركيين وتذكيرهم بما يقوم به من جهود لوقف الهجرة غير الشرعية.
 وتشير المعطيات السياسية والأمنية الراهنة إلى أن ملف الهجرة في أوروبا يتجه نحو مرحلة أكثر صرامة وتعقيداً خلال السنوات المقبلة، فمع ترسخ نفوذ أحزاب اليمين وتزايد الضغوط الانتخابية داخل العواصم الأوروبية، يتوقع أن يشهد الاتحاد الأوروبي تحولاً هيكلياً في تعاطيه مع هذا الملف، عبر إبرام اتفاقيات أمنية أكثر حزماً مع دول الجوار وإعادة صياغة قوانين اللجوء لتكون أكثر تقييداً.
 لكن هذا التعاطي غير الإنساني مع الملف الشائك استفز بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، فدعا أوروبا، خلال زيارته جزيرةَ لامبيدوسا الإيطالية، إلى تكثيف جهودها لحماية المهاجرين، واعتماد مقاربة شاملة لأزمة الهجرة، موجهاً رسالةً إلى القادة مفادها تغليب البعد الإنساني على سياسات الردع. وطالب البابا بمعالجة مشكلة المهاجرين من جذورها قائلاً: لا بد من دعم التنمية في بلدانهم الأصلية حتى لا يضطروا إلى الهجرة، مناشداً أوروبا التعاملَ مع الأزمة عبر «خطة استراتيجية طويلة الأمد» تشمل عمليات الإنقاذ، واستقبال المهاجرين وحمايتهم ودمجهم.وبلا جدال، فإن الموضوع معقد ويحتاج إلى رؤية حكيمة وبصيرة من أجل وضع آليات عملية قابلة للتنفيذ. وفي الوقت الذي يسعى فيه قادةُ القارة إلى حماية دولهم، يجب عليهم التحرك نحو معالجة الأوضاع الصعبة والظروف والملابسات التي دعت مئات الآلاف إلى الهجرة الجماعية والزحف نحو أوروبا.
الحل متاح، لكنه يتطلب جهوداً جماعيةً لتدارك الأسوأ وإعادة الثقة في نفوس الشباب البائس، عبر توفير أبسط حقوقهم المعيشية وتهيئة الظروف التي تساعدهم على تحقيق مستقبل أفضل لهم ولذويهم.