سقط مشروع «الإخوان» وانتهى إلى الأبد، وسقط معه الوهم الذي عاش عليه طويلاً، وتهاوت شعاراته التي ملأت المنابر: «الإسلام دين ودولة»، و«الإسلام هو الحل»، و«تطبيق الشريعة» «لإقامة الدولة الإسلامية» المزعومة. 
لقد انكشف المشروع «الإخواني»، وسقطت عنه هالة القداسة التي أحاط بها نفسه، وظهر على حقيقته مشروعاً أيديولوجياً سلطوياً استغل الدين، وفتح في جسد المجتمعات أبواباً للتطرف والعنف. لقد انتهى المشروع «الإخواني» برمته، ومحاولة إعادته إلى الحياة أشبه بمحاولة إحياء ميت، فقد يتحرك شيء من جسده، وقد يبقى اسمه يتردد، أما الروح التي تمنحه الحياة والمستقبل فقد غادرته إلى الأبد، بعد أن مضى مشروعه إلى الزوال.
كانوا يقولون: «الإسلام هو الحل»، فلما جاء التساؤل: وما الحل؟ لم يجد الناس وراء الشعار إلا إرثاً من التطرف والعنف. وهكذا سقط «الإخوان» من الموضع الذي أرادوا أن يرتفعوا منه، رفعوا الإسلام شعاراً، فكان الإسلام أكبر من شعارهم، وتحدثوا باسم الأمة، فإذا الأوطان والدول الوطنية أبقى من تنظيمهم. وبشّروا بالتمكين فانتهى بهم الطريق إلى السقوط. فما رفع التاريخ لهم راية، ولا بقي للمستقبل من مشروعهم مكان.
لقد حاولوا اختطاف هذا الدين العظيم، بما فيه من عقائد وقيم وأخلاق، وأعادوا صياغته في قالب أيديولوجي ضيق لا يتسع لغيرهم، حتى صنعوا ما يمكن تسميته «الإسلام الإخواني». صار الإسلام في خطابهم مشروعاً أيديولوجياً تنحصر فيه المشروعية، والمسلم يجب أن يكون عضواً في جماعتهم وإلا لا يكون مسلماً حقاً، والدعوة «حركة»، والأخوة «تنظيماً»، والطاعة ولاءً للمرشد، والفشل «محنةً ومظلومية»، والوطن رقعة في خريطة مشروع عابر للحدود، ومن عباءة هذا الفكر خرجت جماعات أشد تطرفاً وإجراماً، حملت التكفير إلى الدم، والكراهية إلى الإرهاب. فأي مشروع للإنسان يُنتظر من فكر خلّف وراءه كل هذا الخراب؟ 
دخلوا الأوطان باسم خلاصها فدمروها، وتحدثوا باسم الإسلام فشوّهوا صورته، فلا الإنسان كان غايته، ولا الوطن كان أمانته، ولا الحضارة كانت طريقه، ولا الإسلام سلم من إساءته.
كانت تجارب الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية والإسلامية شديدة المرارة، فحيث تغلّبت لغة التنظيم على منطق الدولة، رأينا الأوطان تدفع الثمن من أمنها واستقرارها، ورأينا الشعارات ترتفع كلما سالت الدماء، وكأن حياة الناس أرخص من بقاء المشروع. وتلك جناية كبرى في حق الأوطان وفي حق الإسلام نفسه، وهكذا دُفع شباب مسلمون إلى أوهام كبرى، وحُملت إليهم شعارات براقة عن الجهاد والنصرة والتمكين، ثم انتهى بعضهم وقوداً في معارك وصراعات، بينما بقي منظّرو التحريض بعيدين عن النار، آمنين في مجالسهم ومنافيهم، يرسلون أبناء الناس إلى الموت ويكتفون هم بالكلمات.


كانت دولة الإمارات من أكثر الدول شجاعة وجرأة في مواجهة الخديعة الكبرى التي صنعها «الإخوان»، حين حاولوا أن يجعلوا جماعتهم وجهاً للإسلام، ومشروعهم الإرهابي امتداداً للدين. فمضت الدولة تكشف خيوط التنظيم وشبكاته وخطابه، وتضع أمام الناس الأدلة والبراهين على ما حملته «الإخوانية» في أحشائها من بذور الغلو والتطرف والعنف، وفصلت بوعي حاسم بين رسالة الإسلام في صفائها الأخلاقي والإنساني، وإسلام الجماعة الحزبية الذي أعاد صياغة المقدس على مقاس التنظيم ومصالحه. ولهذا اشتد افتراء «الإخوان» على الإمارات، وصوروها «دولة تحارب الإسلام»، فليس أشق على صاحب الزيف من يدٍ ترفع عنه ستاره، ولا أوجع لصاحب دعوى من حقيقة تكشف دعواه.
 إن الحقيقة أن الإمارات حين واجهت «الإخوان» كانت تنتصر للإسلام الذي أرادوا احتكاره، وتنزع عن الدين أثواب التسيس التي ألبسوه إياها، وتعيد إليه نقاءه بعيداً عن شهوة التسييس والتسلط وحسابات التنظيم.
لقد خدمت الإمارات الإسلام حين كشفت الذين اتخذوا من اسمه ستاراً، وقدمت له خدمة جليلة حين قالت للعالم بالفعل والموقف: هذا دين عظيم، وهذه جماعة متطرفة، فلا تجعلوا خطايا «الأخونة» في صحيفة الدين، ولا تمنحوا التنظيم قداسة الإسلام.
اليوم يقف تيار الإسلام السياسي أمام نهايته، تنظيمات تفككت، وقيادات تشتتت، ومجتمعات تجاوزت خطابه، وما بقي منه يتحرك في فضاءات الإعلام وفي الخارج، هي محاولة لاستعادة حضوره، أو التسلل عبر مسميات جديدة وجمعيات تدعي عمل الخير. لكن هذه الأسماء والمسميات لا تمحو ذاكرة العنف، ولا تستر تاريخاً فضحته التجارب وأسقطه العقل، ورشد المجتمعات.
 إن من يؤمن حقاً بالدولة الوطنية، ويحرص على صون قيم الدين، يصعب أن يراهن على جماعة متطرفة، دفعت بالشباب وقوداً خلف أوهامها وغاياتها. فلا سلّم الله لهم غاية، ولا رفع لهم راية، وليطوِ التاريخ مشروعاً أساء إلى الدين الذي ادعى حمل رايته، وإلى الأوطان والدول التي زعم إصلاحها.
* مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.