كأنّ العالم لا تكفيه بؤرة التوتّر والعنف في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا التي فشلت كل محاولات تسويتها حتى الآن، ولا يقنع ببؤرة التوتّر والعنف في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، ناهيك باستمرار الحال في الملفّين الفلسطيني واللبناني على ما هو عليه، لتتحرك بؤرة توتّر جديدة في آسيا بين روسيا واليابان بسبب الزيارة الأخيرة للرئيس الروسي بوتين لجُزر كورييل المتنازع عليها بين روسيا واليابان، وهي الزيارة التي أثارت أزمة دبلوماسية بين البلدين، حيث وصفتها رئيسة الوزراء اليابانية بأنها تُعَقِّد إمكانية تحسن العلاقات الثنائية بين البلدين على المديين المتوسط والطويل، كما استدعى وزير خارجيتها السفير الروسي وسلّمه احتجاجاً شديد اللهجة أكد على تبعية الجُزر التاريخية والقانونية لليابان، وأعلنت طوكيو أنها تدرس اتخاذ إجراءات ضد موسكو قد تتضمن عقوبات جديدة، وبطبيعة الحال رفضت موسكو هذه الاحتجاجات، واعتبرت تحرك الرئيس داخل أراضٍ روسية شأناً سيادياً بحتاً لا يقبل النقاش مع أطراف أجنبية.
وقد يندهش البعض من هذا التصعيد في وقت تنشغل فيه روسيا بحربها في أوكرانيا، خاصة أن النزاع مع اليابان حول هذه الجُزر له جذوره البعيدة.
الزيارة تمّت بعد أيام قليلة من إصدار وزارة الدفاع اليابانية في 4 أغسطس الجاري كتابها الأبيض الذي أدرج روسيا ضمن أبرز التهديدات المباشرة للأمن الياباني، ويُلاحظ أن الكتاب قد صدر في سياق المساعي اليابانية التي مثّلت فراقاً مع سياسات عدم العسكرة بعد الحرب العالمية الثانية، فكأن بوتين بزيارته هذا يؤكد الموقف الروسي من الجُزر المتنازع عليها مع اليابان، وهو نزاع قديم تنقّلت السيادة على الجُزر فيه بين روسيا واليابان غير مرة، وكانت أبرز المحطات فيه هي انتقال السيادة على الجزر بالكامل إلى اليابان بعد انتصارها على روسيا في حرب 1904، والعكس في أعقاب الحرب الثانية التي انتهت باستسلام اليابان، وعادت الجُزر للسيادة السوفييتية، وإن كانت اليابان لا تعترف الآن بتبعية الجُزر لروسيا.
واللافت تأكيداً لفحوى الرسالة الروسية، هو التزامن بين صدور الكتاب الأبيض الياباني الذي سبقت الإشارة إليه وبين إجراء روسيا لمناورات ضخمة لأسطول المحيط الهادئ، بمشاركة 13 ألف عسكري و60 سفينة وغواصة و30 مسيرة بحرية.
أخيراً وليس آخراً، فلعل بوتين قد قصد بتوقيت الزيارة، في ظل تصعيد الحرب في أوكرانيا، أن يقول إن روسيا ليست دولة الملف الواحد، وأنها رغم ضراوة هذه الحرب قادرة على التصدي لأي تحدٍّ.. وقد لا يكون من المتوقع أن يصل التصعيد في هذا الملف إلى حد انفجار العنف، غير أن الخبرة تشير لضرورة التحسب لهذا الاحتمال في عالم بات يعاني من الفوضى والتحريض.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة