في جميع أنحاء أوروبا، بدأت حطام السفن وهياكلها تظهر من أعماق المياه. وبالقرب من براهوفو في صربيا، ترقد الآن سفن نازية أغرقتها أطقمها عام 1944، وقد تحطمت هياكلها فوق الضفاف الرملية. وفي كرواتيا، ظهرت سفينة شحن تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي فوق سطح المياه. وعلى قاع نهر الدانوب الذي انحسر ماؤه حديثاً في بلغاريا، عُثر على ما يرجّح خبراء محليون أنه أجزاء من هيكل ماموث قديم، متناثرة فوق الرمال.
وتشهد أجزاء واسعة من أوروبا جفافاً شديداً، فيما انكمشت الأنهار الرئيسية كثيراً عن أحجامها المعتادة. ويواجه نهر الدانوب، ثاني أطول أنهار أوروبا، مستويات قياسية من الانخفاض، إذ بلغ عمق المياه مؤخراً 9 بوصات فقط في بودابست.
كما وصل جزء من نهر بو الإيطالي إلى أدنى مستوى صيفي له على الإطلاق، بينما أصبح نهر الراين، أحد أهم ممرات التجارة من جبال الألب إلى بحر الشمال، أقل عمقاً من السابق. وخلال الصيف الجاري، كادت عمليات نقل المواد الكيميائية والمنتجات النفطية وغيرها عبر الراين والدانوب تتوقف تماماً في بعض المناطق. وأغلقت رومانيا محطة نووية تعتمد على مياه الدانوب في التبريد، بينما تفادت المجر الإجراء نفسه بصعوبة. كما وافقت شركتا صناعة السيارات «داتشيا» و«فورد» على وقف الإنتاج مؤقتاً في مصانعهما الرومانية لتوفير الكهرباء.
ولطالما بدا تغير المناخ بالنسبة لبعض الأوروبيين مشكلة تصيب أماكن بعيدة، لكن حرائق الغابات وموجات الحر وجفاف الأنهار خلال السنوات الأخيرة جعلت آثاره ملموسة، وبدأت تغيّر الخريطة القديمة لنفوذ أوروبا وثرواتها.
وإذا أصبح الراين والدانوب أكثر جفافاً، فسيتعين إعادة رسم تلك الخريطة. وعلى مدى نحو 80 عاماً، شكّلت تلك الأنهار مهد القوة الصناعية للقارة ومنافذ تجارتها. فقد تركّز أغلب الصناعة الألمانية، التي غذّت نمو البلاد بعد الحرب، حول ملتقى نهري الراين والرور، بينما أصبح ميناء مصب الراين في هولندا الأكثر ازدحاماً في أوروبا. وتوفر أنهار القارة الطاقة لملايين الأشخاص، كما يمثّل الدانوب طريقاً حيوياً لتصدير المحاصيل الأوكرانية وإمداد جيشها.
في ظل تلك الظروف، لا يُمثل جفاف الأنهار خطراً بيئياً فحسب، بل يُشكل أيضاً تحدياً استراتيجياً كبيراً لأوروبا، في وقت تواجه فيه القارة بالفعل أزمات متلاحقة، إذ تكافح القارة بالفعل للتعامل مع تحوّل اقتصادي يحدث مرة كل جيل، يتمثل في صعود الصناعات التكنولوجية المتقدمة والسيارات الكهربائية الصينية، التي تهدد رموز صناعة السيارات الأوروبية مثل «فولكسفاغن» و«بورشه». كما تخوض القارة تحولاً كبيراً في مجال الطاقة، وتسعى إلى التخلص من اعتمادها على الغاز الروسي والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ومنها الرياح والطاقة الشمسية. وفي مواجهة قومية الرئيس دونالد ترامب وعدوان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تُقلل أوروبا اعتمادها على القدرات الدفاعية الأميركية وتتجه نحو مزيد من الاعتماد على الذات.
كما كشف الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز عن نقاط ضعف في سلاسل الإمداد. ولمواجهة تلك التحديات، تبرز عبارة «الاستقلالية الاستراتيجية» باعتبارها من أكثر المصطلحات تكراراً في أروقة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وتقوم على تقليل اعتماد أوروبا على السلع والحماية العسكرية الأجنبية، ومواجهة صعود الصين وتهديد روسيا، وتوظيف التكنولوجيا لبناء مستقبل أكثر خضرة وثراءً وصحة. وتبدو تلك الأهداف جديرة بالاهتمام، لكن المشكلة أن قادة القارة يفترضون أن جغرافيتها ستظل ثابتة، وأن المزايا الهائلة التي توفرها أنهار مثل الراين والدانوب يمكن اعتبارها أمراً مسلماً به. وتشمل هذه المزايا نقل البضائع عبر القارة بتكلفة منخفضة، والوصول السهل إلى موانئ مثل هامبورغ وروتردام، وتوافر المياه العذبة للتصنيع وتوليد الطاقة الكهرومائية وتبريد المحطات النووية. لكن التضاريس التي يعتمد عليها الأوروبيون تتغير سريعاً، ولم يَعُد بالإمكان الاعتماد على الأنهار باعتبارها وسيلة نقل رخيصة وموثوقة ومنخفضة الانبعاثات نسبياً بديلاً عن النقل البري والجوي.
فإذا جفّت الأنهار، فلن تتمكن من تشكيل العمود الفقري الصناعي لمساعي الاتحاد الأوروبي إلى الاستقلال عن سلاسل الإمداد الصينية والأميركية، كما لن تضمن استقلالاً موثوقاً في مجال الطاقة أو أمناً غذائياً.
ولن يكون التعامل مع هذه التغيرات سهلاً. فكما تدفع الحرب في إيران بعض دول الشرق الأوسط إلى تطوير خطوط إمداد وطرق تصدير جديدة، تحتاج أوروبا إلى التفكير جدياً في تطوير شبكات بديلة للنقل والطاقة تقلّل اعتمادها على الأنهار. وقد يستغرق ذلك عقوداً ويتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
وقد تتضرر مناطق راكمت ثرواتها بفضل التجارة النهرية، مثل راينلاند الألمانية وروتردام، كما قد تفقد الأنهار دورها في ربط الدول الأوروبية المجاورة، وهو الدور الذي ساعدها على تقليل الاعتماد على العالم الخارجي. ومع فقدان أوروبا «طرقها السريعة الزرقاء»، تبدو كل الأحاديث الكبرى عن بناء صناعات جديدة، وإيجاد شركاء تجاريين جدد، وتوليد الطاقة النظيفة أقل واقعية. لقد أصبح من الواضح أنه يتعين على أوروبا أن تبدأ التفكير في أنهارها بصورة أكثر جذرية وجدية، باعتبارها أصلاً استراتيجياً، وليس مجرد قضية بيئية مثيرة للشفقة. -
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
-*كاتب بصحيفة «ألجيمين داغبلاد» الهولندية، ومؤلف كتاب «الراين: تتبع أعظم أنهار أوروبا من أمستردام إلى جبال الألب».