يتضح من متابعة الانشغالات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية أن إسرائيل ماضية في تحقيق أهدافها، التكتيكي منها والاستراتيجي في آنٍ واحد. والملاحظ أنها تتجاوز ما سبق أن التزمت به وفق خطة ترامب وبمقتضي أجندة الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف. وقد عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤكِّداً رفضَه أيَّ اشتراط من حركة «حماس» لقبول نزع سلاحها، الأمر الذي قد يدفع بالعملية ككل نحو التجمد إلى حين القيام بتحرك جديد من قِبل جارد كوشنر (المبعوث الأميركي الخاص للسلام)، وكذلك مجلس السلام برئاسة ميلادينوف، وهو ما تم مؤخراً عبر استراتيجية ضغط أميركية تحاول منع نتنياهو من تخريب الخطة الأميركية بالكامل.
 وتخطّط إسرائيل لإقامة مناطق عازلة وتجمعات نموذجية في القطاع، حيث يجري في شرق رفح بناء منطقة خضراء، كما تتم زحزحة الخط الأصفر، والخروج من مناطق التماس إلى قلب التجمعات السكنية.. مما يؤكد أن إسرائيل تعمل على إنشاء واقع جديد في 70% من مساحة تواجدها على الأرض في القطاع، وذلك بالتوازي مع مخططها لحشر السكان الفلسطينيين في المساحة المتبقية، تمهيداً لترحيلهم وتهجيرهم نحو دول أعلنت إمكانية استقبالهم. وهذا مع العلم بوجود شركات ومنظمات أميركية توفّر الدعمَ المالي لهجرة الفلسطينيين خارج قطاع غزة، بغية تفريغه من سكانه.
 وباعتبار أن هذا المخطط ليس جديداً على العقل الإسرائيلي، يتضح أن حكومة نتنياهو تراهن على تَجمُّد المشهد الراهن وفق رؤيتها إلى حين إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر المقبل وتشكيل حكومة «كل إسرائيل»، كما يسميها نتنياهو. لذا ليس من المرجح أن تنجح جهود كوشنر أو ميلادينوف في لجم السلوك الإسرائيلي وضبطه.
أما المخطط الإسرائيلي في الضفة الغربية فيبدو أكثر شمولاً، إذ يجري بسرعة ملحوظة بغية تغيير معالم الأرض وفرض الاستيطان على الأرض، من خلال شق الطرق الالتفافية والممرات البديلة وبناء آلاف الوحدات السكنية. وقد صدّق الكنيست قبل إجازته الحالية على سلسلة من الإجراءات والتدابير الرامية إلى الإسراع بتنفيذ مخطط الاستيطان، مع ربط المستوطنات الرئيسية في عمق الضفة.. ما يؤكد أننا أمام تطورات دراماتيكية متعلقة أيضاً بالمقدسات الإسلامية والمسيحية، في خرق للاتفاقات التي تقضي ببقاء هذه المقدسات في حوزة الجانب الأردني. 
وإكمالاً لهذا المخطط، تعمل إسرائيل على هدم المخيمات الفلسطينية وبناء بؤر عشوائية مكانَها، إلى حين إقرارها رسمياً من مجلس المستوطنات، الهيئة الحكومية المعنية بملف الاستيطان، مع تسليح المستوطنين وحماية تحركاتهم اليومية.
 وكل ذلك يمثل جزءاً من برنامج الائتلاف الحكومي الحالي، حيث يجري العمل وفق رؤية زمنية متفق بشأنها، والتحرك قُدُماً على محاور محددة في القدس ونابلس وجنين وغيرها.
ويتطلب التنفيذُ الكامل لمخطط الاستيطان ترحيلَ آلاف الفلسطينيين إلى الخارج بما فيه الأردن الذي يعتبره اليمينُ الإسرائيلي المتطرفُ الوطنَ البديلَ القادرَ على استيعاب الفلسطينيين! وهو ما يوضح أن المخطط شامل ويقترب في حدوده ومحدداته مما يجري في قطاع غزة، حيث تعمل إسرائيل على استثمار الأحداث الراهنة في المنطقة.
 ويمكن الجزم بأن إسرائيل ماضية على هذا المسار، عبر العمل المباشر على تسريع الخطط الحالية للاستيطان في الضفة والقطاع، سواء على المستوى الديموغرافي أو المستوى الاستراتيجي، مع التركيز على الهدف الرئيسي متمثلاً في تفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها الفلسطينيين، وباعتبار أن ما يجري هو مقدمةٌ لما هو آت. وفي توقيت محدد سيتم طرد آلاف السكان الفلسطينيين مرةً واحدة، وهو ما يحدث في القدس تحديداً على اعتبار أن طرد المقدسيين سيعطي الفرصةَ لمزيد من الخطوات التنفيذية للتسريع بهدم المسجد الأقصى، حيث تجري أعمال الحفر لبناء «الهيكل»، وحسم مسارات الصراع واتجاهاته لصالح إسرائيل.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية