إذا كانت اتفاقية «بريتون وودز» عام1944، قد جعلت الدولارَ محورَ النظام النقدي العالمي، حيث التزمت الولايات المتحدة بتحويله إلى ذهب بسعر ثابت قدره 35 دولاراً للأونصة، وربطت الدولُ الأخرى عملاتِها بالدولار، فإن قرار الرئيس ريتشارد نيكسون في 15 أغسطس 1971، بتعليق قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، فيما عرف لاحقاً بـ«صدمة نيكسون»، أدى تدريجياً إلى انهيار نظام «بريتون وودز»، والانتقال إلى نظام العملات الورقية وأسعار الصرف الأكثر مرونةً. أما المفارقة، فهي أن الذهب بعد نحو 55 سنة عاد بقوة إلى الاحتياطيات الرسمية، خصوصاً لدى البنوك المركزية، باعتباره أصلاً لا يرتبط بمديونية دولة أخرى.
وفي هذا السياق، لم يكن إلغاء قابلية تحويل الدولار إلى الذهب نهايةَ دور الذهب، بل كان بداية مرحلة أصبح فيها «الذهب منافساً استراتيجياً للدولار». واليوم، مع ارتفاع الديون الأميركية، وتنامي المخاطر «الجيوسياسية»، وتزايد مشتريات البنوك المركزية من الذهب، يمكن النظر إلى التحوّل الجاري، باعتباره نوعاً من «إعادة الذهب إلى النظام العالمي، من الباب الخلفي»، وإن كان ذلك من دون العودة إلى سعر صرف ثابت كما كان الحال في ظل نظام «بريتون وودز».
ومع ارتفاع أرقام احتياطيات البنوك المركزية من الذهب، تراجع الدولارُ وانخفضت قيمتُه حتى وصل سعر الأونصة إلى 4500 دولار، وخسرت العملة الأميركية نسبةَ 9 في المئة من قيمتها في عام 2025 وحده، مقابل سلة من العملات، مما يجعلها في طريقها نحو تسجيل أسوأ أداء خلال ثماني سنوات الماضية. وهذا إلى جانب المخاوف بشأن العجز المالي الأميركي، وعدم اليقين السياسي. وبشكل عام، يتوقع المستثمرون استمرار ضعف الدولار، مع تثبيت البنوك المركزية الكبرى سياساتها مع ميل نحو التشديد. ويعد فهم مسار الدولار أمراً بالغ الأهمية للمستثمرين، نظراً إلى الدور المركزي الذي يلعبه في التمويل العالمي، إذ يعزز ضعفُ الدولار أرباحَ الشركات الأميركية متعددة الجنسيات، بزيادة قيمة الإيرادات الأجنبية عند تحويلها إلى الدولار، ويزيد مِن جاذبية الأسواق الدولية عبر رفع قيمتها بالعملات الأجنبية، دون الاعتماد فقط على أداء الأصول الأساسية.
ووفق التقرير الفصلي لمجلس الذهب العالمي، فإن الطلب العالمي على الذهب ظل مستقراً في الربع الثاني من العام الحالي عند 1269 طناً، من دون تغيير على أساس سنوي، مع تهدئة زخم أسعاره بعد بلوغها مستوياتٍ قياسيةً في بداية العام. وقد رفع هذا الاستقرارُ إجمالي الطلب في النصف الأول من العام إلى نحو 2522 طناً بزيادة 2 في المئة على أساس سنوي بقيمة قياسية بلغت 380 مليار دولار، محتسبةً على أساس متوسط السعر الفصلي في بورصة لندن، والذي بلغ 4506 دولارات للأونصة في الربع الثاني، أي أقل بنسبة 8 في المئة من المستوى القياسي المسجل في الربع الأول.
والواقع أن السؤال في سوق الذهب لم يعد: هل سيرتفع السعر أم ينخفض؟.. بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل التراجعات المتكررة في سعر الذهب، تعكس بدايةَ نهاية موجة الصعود، أم أنها مجرد محطات مؤقتة لجني الأرباح، وإعادة تجميع المراكز قبل استكمال الاتجاه الصاعد؟
لقد تحوّلت السوق إلى ما يمكن تسميته «تكتكة» الأسعار: صعود، جني أرباح، هبوط، إعادة شراء، ثم صعود جديد. والدليل أنه على الرغم من التراجع الكبير الذي سجله الذهبُ في يناير الماضي، فهو لم يدخل في مسار هبوطي مستدام، إذ ارتفع في أغسطس الجاري بنحو 10 في المئة إلى 4400 دولار للأونصة، مدعوماً بتراجع الدولار، وتغيّر توقعات أسعار الفائدة، وعودة الطلب من البنوك المركزية. وفي هذا السياق، هناك عدة سيناريوهات صاعدة، منها توقعات «جي بي مورغان» بوصول سعر الأونصة إلى 6000 دولار بين عامي 2026 و2027.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية