يهدد الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب في 13 أغسطس، وألزم فيه البحرية الأميركية بالعودة لاستخدام الطاقة البخارية في منجنيق حاملات الطائرات، (وهو يتعلق بأنظمة دفع تُستخدم لإطلاق الطائرات الحربية وسحبها من سرعة الصفر إلى سرعة الإقلاع في غضون ثوانٍ معدودة وعلى مسافة قصيرة جداً لا تتجاوز طول سطح السفينة.) وهي المنظومة المستخدمة لإطلاق الطائرات ذات الأجنحة الثابتة، بشل جاهزية الأسطول، التي وصلت بالفعل إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.
وبعد ستة أشهر من الحرب مع إيران، مدّت وزارة الدفاع «البنتاغون» فترة انتشار حاملتي طائرات إلى أكثر من 260 يوماً، ويُرجح أن تفعل الشيء نفسه مع الحاملتين اللتين ستحلان محلهما.
وستحتاج أحواض إصلاح السفن الحكومية إلى سنوات لتصفية تراكم أعمال الصيانة، ومن شبه المؤكد أن يغادر العديد من أفضل البحارة بحثاً عن خيارات أفضل. ومع حالة عدم اليقين بشأن الميزانية، قد تمضي البحرية شهوراً دون وجود سوى حاملة طائرات واحدة منتشرة في الخارج خلال السنوات المقبلة.
وسيفاقم إعادة تصميم حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس دوريس ميلر»، التي هي قيد الإنشاء حالياً، لاستبدال منجنيقاتها الكهرومغناطيسية بأنظمة بخارية، أزمة الجاهزية. وتُقدر تكلفة هذا التغيير بمليارات الدولارات، وسيؤخر إطلاق السفينة إلى أواخر ثلاثينيات القرن الحالي.
وذلك إذا تمكّنت البحرية من إقناع شركة مصنّعة باستئناف إنتاج المنجنيقات البخارية بعد توقف نحو ثلاثة عقود.
وسيؤدي تأخر إنتاج حاملات الطائرات إلى خفض عدد الحاملات في الأسطول إلى 10 العام المقبل، مع إحالة «يو إس إس نيميتز» إلى التقاعد، وعدم جاهزية «يو إس إس جون إف. كينيدي» للانتشار. وإذا استمرت التأخيرات في بناء وإعادة تصميم «يو إس إس ميلر»، فقد ينخفض عدد الحاملات إلى تسع خلال العقد المقبل. وستضطر البحرية إلى تشغيل القوة الأصغر بمعدل أعلى، ما سيؤدي إلى إنهاك أفرادها ومعداتها بوتيرة أسرع، وتسريع تراجع جاهزيتها.
واعتمدت البحرية المنجنيقات الكهرومغناطيسية في حاملاتها الجديدة للسبب نفسه الذي دفع خطوط السكك الحديدية إلى التحول من الدفع البخاري إلى الكهربائي خلال القرن العشرين: فالطاقة الكهربائية تتطلب أجزاء متحركة أقل، وأكثر موثوقية، وأقل تكلفة، وتوفّر سرعات أعلى مقارنة بالطاقة البخارية.
ليست الولايات المتحدة وحدها التي تتجه نحو استخدام المنجنيقات الكهرومغناطيسية. فقد اعتمدت الصين وفرنسا هذه التكنولوجيا، وهما الدولتان الأخريان اللتان تمتلكان حاملات طائرات مجهزة بهذه المنجنيقات.
وقد أعطت إدارة ترامب الأولوية للقدرة القتالية والتدميرية في استراتيجياتها وميزانياتها وحملاتها العسكرية. ولو كانت العودة إلى المنجنيقات البخارية ستعود بفائدة عملياتية، لكان من المنطقي أن تتخذ البحرية القرار الصعب وتُجري هذا التغيير. لكن الأحداث الأخيرة تُظهر أن البخار هو الخيار الخاطئ.
وخلال انتشارها الذي استمر 11 شهراً وانتهى في مايو الماضي، وهو الأطول لحاملة طائرات منذ حرب فيتنام، نفذت «يو إس إس جيرالد آر. فورد» أكثر من 11 ألف عملية إطلاق للطائرات باستخدام المنجنيق الكهرومغناطيسي، وهو عدد يفوق ما يمكن لحاملات الطائرات المزودة بأنظمة بخارية تحقيقه. وكانت جميع تلك الطلعات تقريباً لمقاتلات هجومية، كان بإمكان كل منها حمل أكثر من ثمانية أطنان من الذخائر، وضرب نحو 12 هدفاً.
إلا أن أبرز مزايا المنجنيق الكهرومغناطيسي تتمثل في انخفاض تكلفتها وحاجتها إلى عدد أقل من أفراد الطاقم. ومع نفاد موارد التشغيل لدى البحرية، واحتمال تراجع الاحتفاظ بأفرادها بشدة في أعقاب الحرب مع إيران، تحتاج البحرية إلى تحقيق أقصى استفادة من كل دولار وكل بحار.
ويضم طاقم حاملة الطائرات «فوردش نحو 500 بحار أقل عن أسلافها، في الأغلب بسبب كونها سفينة كهربائية بالكامل باستثناء غرفة المحركات. ولأن حاملات الطائرات القديمة كانت تحتاج إلى البخار لتشغيل المنجنيقات، فقد استخدمت البخار أيضاً في وظائف أخرى متنوعة على متنها، مثل معدات الطهي وتنقية المياه.
وتُشكّل الصمامات ومنظمات الضغط والأنابيب اللازمة لتشغيل المنجنيقات البخارية عبئاً هائلاً على صيانة حاملات الطائرات القديمة، مما يتطلب قسماً متخصصاً في الميكانيكا. كما تحتوي أنظمة المنجنيق البخارية على العديد من الأجزاء المتحركة وأنماط الأعطال، مما يتطلب نحو 10 بحارة إضافيين لكل منجنيق، بينما يوجد أربعة منجنيقات على حاملة الطائرات الحديثة، مقارنة بالأنظمة الكهرومغناطيسية.
ويُعد العنصر الأكثر تكلفة في تشغيل السفينة هو الأفراد.
وبفضل وجود مئات البحارة الأقل، وسهولة صيانة المعدات الكهربائية، تكلف «فورد» البحرية نحو 100 مليون دولار أقل سنوياً لتشغيلها مقارنة بحاملات الطائرات الأقدم. وهذا يعادل تكلفة نحو 100 صاروخ كروز من طراز توماهوك.
كانت الطاقة البخارية تقنية متطورة في القرن الـ19، وهي خيار غير مناسب للبنتاغون التي تتجه نحو الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل. وعلى البحرية مواصلة استخدام أنظمة الإطلاق الكهرومغناطيسية للحفاظ على قوة أسطول حاملات الطائرات وزيادة قوته النارية. ويمكنها استخدام الوفورات لإعادة تعبئة مخازن أسلحة الأسطول.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*زميل أول ومدير مركز مفاهيم وتكنولوجيا الدفاع في معهد هدسون، ومتخصّص في العمليات البحرية والتقنيات العسكرية والأنظمة ذاتية التشغيل.