لا تتوقف الابتكارات في السوق الحر عن إثارة الدهشة، لكنه في عالم الطب يتجاوز ذلك إلى إنقاذ الأرواح. وقد أعلنت شركتا الأدوية «ميرك» و«موديرنا» منذ أيام عن أحدث إنجازاتهما الطبية المتمثلة في لقاح مُخصص يُساعد على منع عودة سرطان الجلد. ولم تُنشر النتائج الكاملة للتجربة السريرية بعد، لكن النتائج الأولية مُبشرة.
 لم يأتِ هذا الاكتشاف من فراغ. فقد لعبت مؤسسات الصحة العامة الأميركية دوراً كبيراً، ولطالما مولت الحكومة الفيدرالية الأبحاث التي تُسهم في التقدم الطبي. لكن من الصعب على المسؤولين الفيدراليين تحقيق، مثل تلك الإنجازات بمفردهم، ليس لأن علماء الحكومة يفتقرون إلى الذكاء أو التمويل، بل لأن الحوافز لا تتوافق مع الهدف.
 لا يوجد لدى الحكومة الفيدرالية أي دافع مالي للابتكار. فمنظمة «معاهد الصحة الوطني» الأميركية أُنشئت لنشر الأبحاث الأكاديمية، وتقديم التوصيات الصحية، لا لطرح منتجات تجارية جديدة في السوق. وتعمل المنظمة بشكل مشابه للوكالات الحكومية الأخرى، فوزارة النقل لا تُصنع الشاحنات، ووزارة الزراعة لا تحرث حقول الذرة في ولاية أيوا.
 وفي المقابل، يتعين على شركات الأدوية العاملة في السوق الحرة إما تطوير أدوية ذات قيمة أو مواجهة الإفلاس. وقد يجادل منتقدو اقتصاد السوق الحرة بأن ذلك يعني أن شركات الأدوية تعطي الأولوية للأرباح على حساب صحة المرضى، لكن الهدفين لا يتعارضان. إذ يمكن تحسين حياة المرضى وإطالتها، مع ارتفاع أسعار أسهم الشركات.
 ويثبت الازدهار الكبير مؤخراً لأدوية إنقاص الوزن أن المقايضة بين الأرباح وصحة المرضى وهمية. فلعقود، اعتُبرت السمنة إحدى أكبر الأزمات الصحية التي تواجه البلاد، لما تسببه من أمراض القلب والسكري. لكن معدلات السمنة بدأت تنخفض أخيراً، ويرجع ذلك جزئياً إلى الانتشار الواسع لأدوية «منبهات مستقبل الببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1»، مع ارتفاع أسهم الشركات التي تطور تلك الأدوية وتبيعها، بفضل إسهامها في تحسين الصحة العامة.
 ويشير إعلان شركتي «ميرك» و«موديرنا» إلى أن شركات الأدوية باتت أقرب خطوة إلى تحقيق الهدف المنشود في الطب، وهو احتواء السرطان. وإذا ثبتت النتائج، واستفاد المرضى، فسيكافئ السوق مساهمي الشركتين، كما سيحفز ذلك رواد الأعمال والعلماء الآخرين على تسريع تحقيق القفزة الطبية الكبرى التالية.
وتنبثق الابتكارات الطبية، مثل لقاح سرطان الجلد، رغماً عن الطبقة السياسية، لا بفضلها. ففي عام 2022، وضع الرئيس جو بايدن وحلفاؤه في الكونجرس نظاماً حكومياً للتحكم في أسعار أدوية مختارة تُصرف عبر برنامج الرعاية الصحية الحكومي «ميديكير»؛ بهدف توفير أموال الحكومة الأميركية، لكنه أثر سلباً على وصول الأدوية الجديدة إلى المستشفيات. فإذا ألزمت الحكومة شركة «فورد» ببيع سيارات «موستانغ» بنصف سعرها في السوق، فهل ستطور الشركة طرازات جديدة؟
 و«الجمهوريون» ليسوا بمنأى عن تلك السياسات. فالإدارة الحالية تُجرب نظاماً خاصاً بها من الحدود القصوى للأسعار، يربط تكاليف الأدوية بما يدفعه المستهلكون في دول أجنبية. وبالتأكيد سيقوض هذا النهج الابتكار الطبي ويُهدد هيمنة أميركا في مجال التكنولوجيا الحيوية. ويُعد تقييم السوق، سواء من خلال أرقام المبيعات أو أسعار الأسهم، أمراً بالغ الأهمية. إذ تُسهم تلك المعلومات في توجيه الاقتصاد الأميركي نحو تلبية احتياجات المستهلكين وتفضيلاتهم، بما يشمل تطوير علاجات ولقاحات منقذة للحياة. ومع ازدياد الطلب على علاجات السرطان، على واشنطن تجنب تشويه المؤشرات الاقتصادية إذا أرادت تحويل الوعود العلمية إلى إنجازات ملموسة يستفيد منها المرضى.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*نائب «جمهوري» سابق في مجلس النواب الأميركي عن ولاية جورجيا، ووزير سابق للصحة والخدمات الإنسانية