في الرابع والعشرين من سبتمبر عام 2025، استبدل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصورة الرسمية للرئيس جو بايدن في البيت الأبيض بصورة «القلم الآلي»، وعلّقها على امتداد الرواق الغربي. كانت الرسالة واضحة ولا تحتاج إلى تفسير: الاسم المكتوب على الوثائق كان اسم بايدن، أما السلطة الحقيقية فقد غادرت المكان منذ زمن، وأصبح الجهاز والذين يشغّلونه هم أصحاب القرار.
وهكذا تماماً يعمل جزء كبير من المؤسسة الدينية الشيعية منذ عقود، والشخصية التي تقف في مركز هذا الترتيب هي علي السيستاني.
يُقدَّم السيستاني للعالم على أنه المرجع الديني الأعلى للشيعة، لكن حضوره بالنسبة إلى كثير من الشيعة خارج النجف يكاد يكون غائباً. لا خُطب جمعة، ولا خطابات مباشرة، ولا دروس، ولا مؤلفات يمكن نسبتها إليه بثقة، بعيداً عن مكتبه ومقربيه. حتى اسمه أصبح سؤالاً معلّقاً لدى كثير ممن يدّعون اتباعه: هل الرجل ما زال يدير شيئاً حقاً، أم أن المؤسّسة تحتفظ باللقب بينما يدير الآخرون الخيوط؟
فالمرجع «الأعلى» الصامت يخلق فراغاً مثالياً، وهذا الفراغ امتلأ مراراً وتكراراً بمصالح النظام الإيراني وبجهاز بيروقراطي يحيط به. وكلما شعرت طهران بالضغط، ظهرت بيانات باسم السيستاني بسرعة لافتة تحذّر من «فوضى عالمية». هذه ليست لغة مرشد روحي يهتم بمصلحة المسلمين، بل لغة أداة سياسية مصمّمة لردع أي تحدٍّ للنفوذ الإيراني. وعملياً، تحوّلت بنية السيستاني إلى درع ديني لنظام أمضى عقوداً يتدخل في شؤون الدول العربية، ويسلّح الميليشيات، ويبث الفرقة والطائفية في المنطقة.
المرجعية السياسية ليست قيادة دينية حقيقية. فالقيادة الحقيقية تتطلب حضوراً، وتعليماً، واستقلالاً عن أجندات الدول. وما يُسوَّق على أنه سلطة السيستاني لا يوفّر أياً من ذلك. إنه صمت مدبّر، وشخصية بعيدة المنال، ومكتب يعمل بلا شفافية. وعندما يتحول لقب «المرجع الديني» إلى أصل سياسي بدلاً من مسؤولية علمية، تكون النتيجة ليست هداية، بل فراغاً مُداراً يرتدي لباس الدين.
يقول لنا السيستاني إن «السُّنّة أنفسنا»، لكن هذا الشعار يفقد معناه حين لا يقترن بموقف واضح من نشاط جماعة «الإخوان» في العراق وأذيتهم للسُّنّة، ولا بإدانة صريحة لما ارتكبته إيران و«حزب الله» من فظائع بحق المدنيين السُّنّة في سوريا والعراق. بل وحتى عندما تعرّضت دولتنا الحبيبة، الإمارات، لهجمات بطائرات مسيّرة، لم يصدر عن السيستاني إدانة صريحة لها، في وقت ظهرت فيه مقاطع ومنشورات تحتفي بالهجمات من جانب بعض المحسوبين عليه، رغم أن الإمارات تتيح للشيعة فيها مساحة واسعة من الحرية والاحترام، كما سبق لدولة الإمارات أن قدّمت مساعدات للشعب الإيراني في أوقات الكوارث الطبيعية.
فإذا كانت هذه هي حدود المرجعية التي يُقدَّم السيستاني بوصفه رأسها، فأين يمكن أن يجد الشيعة صوتاً دينياً أكثر حضوراً واستقلالاً؟
وهنا تبرز أهمية الإشارة إلى المرجع السيد صادق بن مهدي الشيرازي، المقيم في مدينة قم، على بُعد نحو 1100 متر من مرقد السيدة فاطمة المعصومة، أخت الإمام علي بن موسى الرضا، ثامن الأئمة الاثني عشر، باعتباره أحد الأصوات الدينية الشيعية التي تُمثل نموذجاً مختلفاً للمرجعية، وتتبنّى خطاباً أكثر حضوراً واستقلالاً كاملاً عن النظام الإيراني. ويُعدّ الشيرازي من أبرز الأصوات الدينية المعارضة للنظام في طهران، الذي تعارض مؤسّساته ورجال الدين الموالون له مرجعيته ومواقفها، ويسعون إلى تهميشها وإسكات صوتها.
وعلى خلاف نموذج المرجعية الصامتة، حافظت مرجعية الشيرازي على حضور ديني وإعلامي وتعليمي واضح، من خلال مراكز ومساجد ومؤلفات ووسائل إعلام تخاطب الشيعة بلغات متعددة. كما أن لها أتباعاً بين أبرز الخطباء والعلماء والشخصيات الشيعية حول العالم، وأنتجت آلاف المؤلفات في الفكر الإسلامي، واهتمت بتربية أجيال من الشباب على التمسك بالدين ورفض ما تراه توظيفاً سياسياً له.
ومن أبرز مواقف الشيرازي عدم تأييده للهجمات على دول الخليج وشعوبها، إلى جانب دعوته إلى السلم والتعايش والوحدة بين المسلمين جميعاً، ورفضه للخطاب الطائفي. وهذه المواقف تكشف أن داخل المؤسّسة الدينية الشيعية أصواتاً أخرى أكثر حضوراً واستقلالاً، وأن اختزال المرجعية الشيعية في نموذج واحد، أو في مؤسّسة واحدة، ليس أمراً مسلّماً به.
وبالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وشركائها، فإن هذا الفرق ليس نظرياً. فالجهاز الديني الذي يصمت عن كل شيء، إلا عندما يحتاج إلى التهديد بالفوضى لصالح إيران، ليس مؤسّسة روحية محايدة، بل أداة للسياسة الخارجية. إنه يقوّض السيادة، ويستورد أجندات خارجية إلى المجتمعات العربية تحت غطاء الدين. ولذلك كان قرار الإمارات بحجب المواقع المرتبطة بمكاتب السيستاني قراراً صائباً وضرورياً، دفاعاً عن النفس في مواجهة قناة للتدخل وزعزعة الاستقرار.
ويشترك السنّة والشيعة في الخليج في مصلحة واضحة: رفض أي ترتيب يحوّل السلطة الدينية إلى وكيل لاستراتيجية إيران. فالاستقرار والسيادة والتعايش الحقيقي بين المسلمين أمور تحتاج أصواتاً لا تهدّد بالفوضى كلما تعرّضت طهران للضغط، ولا تصمت في بقية الأوقات. وعلى هذا المقياس، فشلت بنية السيستاني مراراً. فقدّمت للمنطقة لقباً صامتاً، وصورة مدبّرة، وغموضاً مؤسّسياً، وعند الحاجة تهديداً بالفوضى.
هذه ليست قيادة. هذا قلم آلي بعمامة.

*مستشار برلماني