يوم الجمعة الماضي أدلى توم باراك سفير الولايات المتحدة في تركيا ومبعوثها للمشرق العربي بتصريحات عن الجولان السوري أقل ما توصف به أنها غريبة، فقد قال في مقابلة بخصوص وضع إسرائيل في الجولان «مازالوا يحتلون الجولان في تحدٍ لقرارات الأمم المتحدة، وضد كل النظام العالمي الذي أقر بأن الجولان أرض سورية».
ولا تنبع غرابة التصريح من مجافاته للواقع، فإسرائيل تحتل الجولان منذ 1967، وضمتها رسمياً في1981، لكن وجه الغرابة يأتي من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يُفْتَرَض أن توم باراك كسفير له ينفذ سياسته الخارجية، قد وافق في ولايته الأولى على سيادة إسرائيل الكاملة على الجولان في 25 مارس 2019، وبرر قراره بأهمية الجولان لحماية أمن إسرائيل، وخاصة بالنظر إلى تحركات إيران و«حزب الله» في جنوب سوريا.
ونظراً للتناقض الواضح بين السياسة الأميركية الرسمية وبين هذه التصريحات فقد أحدثت ردود فعل واسعة ما بين الاستنكار الشديد من الدوائر الإسرائيلية، والدوائر اليمينية الأميركية، وإثارة التساؤلات حول ما إذا كانت التصريحات تمثل بالون اختبار لتحول أو تعديل محتمل في السياسة الأميركية، وخاصة بالنظر إلى بعض المؤشرات على تناقضات ثانوية بين تحركات ترامب في ملفات المنطقة والمصالح الإسرائيلية، وكذلك في إطار التقارب الواضح بين ترامب والقيادة السورية الجديدة، وقد ظهرت هذه التساؤلات بوضوح في بعض وسائل إعلام إسرائيلية عبّرت عن قلقها من أن تكون التصريحات بداية تغير أو تحوّل في توجهات إدارة ترامب تجاه هندسة العلاقات الأمنية في سوريا والمنطقة.
وبالنظر لهذه الهواجس حرص نتنياهو على أن ينشر مقطع فيديو يظهر ثبات السيطرة الإسرائيلية على الجولان، ويشدد على أن هذه السيطرة باقية للأبد، ويشيد بالدور التاريخي لترامب بقراره الموافقة على تبعية الجولان لإسرائيل في 2019.
أما وزير الدفاع الإسرائيلي فقد هاجم توم باراك مباشرة، واتهم تصريحاته بأنها حافلة بالمغالطات والمواقف المضللة، ولم يفته أن يُذَكِّر بتناقض تصريحات باراك مع سياسة رئيسه، وقد امتدت الانتقادات للساحة الأميركية، وبالذات من شخصيات يمينية أميركية مقربة من ترامب طالبت باراك بالاستقالة، وقد دفع هذا الهجوم وهذه الانتقادات توم باراك لإصدار توضيح رسمي بعد أقل من 24 ساعة تراجع فيه عن تصريحاته، موضحاً أنها كانت إشارة للوضع التاريخي للمنطقة لا تنطوي على أي تغيير في السياسة الأميركية، وهو توضيح لا تحتمله تصريحاته.
وعموماً لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدلي فيها توم باراك بتصريحات «غير محسوبة»، ففي 11 يوليو 2025 صرح بأنه (إذا لم يتحرك لبنان لمعالجة مسألة ترسانة «حزب الله» فسيواجه تهديداً وجودياً، وسيعود مجدداً ليصبح جزءاً من بلاد الشام).
ونظراً لما أحدثه التصريح من ردود فعل متوقعة فقد سارع باراك للتوضيح بأن كلماته لم تحمل أي نوع من التهديد للبنان، وأن الهدف من التصريح كان الإشادة بالتقدم الهائل الذي تحرزه سوريا! ومحاولة حثّ القادة اللبنانيين على اغتنام الفرص الإقليمية! وهي للمرة الثانية توضيحات تتعارض صراحة مع مفردات التصريح، وهنا تنتقل المسألة من التساؤل حول ما إذا كانت تصريحات أحد القيادات الدبلوماسية الأميركية تشي بتحوّل محتمل في السياسة إلى التساؤل حول مدى كفاءة وتركيز أحد العاملين القياديين في الجهاز المسؤول عن تنفيذ هذه السياسة.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة