لطالما أمضت شركات الأدوية الهندية عقوداً في تزويد المرضى الأميركيين بأدوية بأسعار معقولة. وسيكون من الصعب منافسة هذه الهيمنة، رغم تهديد الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية باهظة على الأدوية الجنيسة المستوردة.
ويواجه تعهده الشهر الماضي بفرض رسوم بنسبة 100% على الشركات المصنعة للأدوية التي انتهت صلاحية براءات اختراعها بحلول عام 2028، ترتفع إلى 200% بعد عام، ما لم تنقل إنتاجها إلى الولايات المتحدة، عقبات تجارية وسياسية هائلة. وبدلاً من التسرع في إنشاء مصانع جديدة، من الأفضل لشركات مثل «صن فارما» للصناعات الدوائية و«مختبرات دكتور ريدي» التريث.
فقد لا تُفرض هذه الرسوم بالكامل. وذلك لأن الأدوية «الجنيسة» تلعب دوراً حاسماً في نظام الرعاية الصحية. فبمجرد انتهاء صلاحية براءات اختراع الأدوية ذات العلامات التجارية، يمكن لشركات أخرى إنتاج نسخ مكافئة، مما يُدخل منافسة تُخفض الأسعار بشكل حاد. وقد يكون الفرق هائلاً. فوفقاً لدراسة أجرتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية، انخفض سعر دواء «تروفادا» لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية من نحو 50 دولاراً إلى 3 دولارات للقرص الواحد بعد فترة وجيزة من توفر النسخ «الجنيسة».
وتعتمد شركات الأدوية الجنيسة على بيع كميات كبيرة ذات هوامش ربح منخفضة. ويبلغ متوسط هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك لدى أكبر خمس شركات في آسيا نحو 22%، وهو أقل بكثير من هامش أكبر خمس شركات أدوية مبتكرة في العالم، مما يعكس اقتصاديات قطاع تمثل فيه الأدوية التي انتهت براءات اختراعها أكثر من 90% من الوصفات الطبية الأميركية، لكنها لا تستحوذ إلا على جزء ضئيل من الإنفاق لأنها زهيدة التكلفة. ومع انخفاض الأرباح، لا تملك الشركات المصنعة حافزاً كبيراً لنقل إنتاجها إلى أميركا، كما أنها لا تملك هامشاً لتحمل الرسوم الجمركية.
ويعني ذلك أن الرسوم، في حال فرضها، قد يتحملها المرضى الأميركيون ونظام الرعاية الصحية ككل، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفاقم التضخم المرتفع أصلًا. ويُقدر سبنسر بيرلمان، محلل الرعاية الصحية في شركة «فيدا بارتنرز» الاستشارية، ومقرها بيثيسدا، بولاية ميريلاند، أن الرسوم الجمركية المُهددة قد تزيد إجمالي الإنفاق على الأدوية الموصوفة بنسبة تتراوح بين 8% و15%. وإذا تعذّر تحميل التكلفة الإضافية على المرضى، فقد تصبح بعض الأدوية غير مربحة للشركات المنتجة، ما قد يؤدي إلى نقصها، وهو خيار أقل قبولاً سياسياً من ارتفاع الأسعار. فسياسة تجعل أرخص الأدوية أكثر تكلفة بكثير أو تجعلها غير متاحة ستكون غير مقبولة سياسياً في عام 2028، وهو عام انتخابات رئاسية.
وهناك سبب آخر يدعو شركات الأدوية الهندية إلى مقاومة الضغوط لإنشاء مصانع في الولايات المتحدة: فالتاريخ الحديث لا يقدم مبرراً قوياً للاستثمار هناك. فقد أغلقت شركة «مختبرات الدكتور ريدي»، في مارس من العام الماضي، مصنعاً للأدوية «الجنيسة» في شريفبورت بولاية لويزيانا بعد سنوات من الخسائر. وكان المصنع ينتج أدوية من بينها الإيبوبروفين والأسبرين، لكنه لم يكن لديه «مسار واضح لتحقيق الربحية». ولسنوات، كان قطاع الأدوية «الجنيسة» ينتقل تدريجياً من الولايات المتحدة. ونشأت تلك الصناعة في الهند نتيجة قرار صدر عام 1970 بإلغاء براءات اختراع المنتجات الصيدلانية، مما شجع الشركات المحلية على إتقان فن الهندسة العكسية للأدوية الغربية.
وبحلول الوقت الذي أعادت فيه الهند العمل ببراءات اختراع المنتجات عام 2005، كانت تلك الشركات قد أمضت ثلاثة عقود في بناء الخبرة والحجم اللازمين للتحول نحو تصدير الأدوية التي انتهت صلاحية براءات اختراعها. وجاء تبني أميركا للأدوية الجنيسة بعد قانون صدر عام 1984 فتح الباب أمام إدارة الغذاء والدواء الأميركية للموافقة على الأدوية في فترة زمنية أقصر، مما حول الهند في النهاية إلى صيدلية العالم. وقد استثمرت بعض الشركات الهندية في التصنيع الأميركي في إطار سعيها نحو علاجات ذات هوامش ربح أعلى. وقد أعلنت كل من شركة «صن فارما»، أكبر شركة أدوية في الهند، وشركة «أوربيندو فارما» المحدودة، بشكل منفصل عن هذه الاستثمارات. لكن تلك القرارات التجارية تهدف إلى تحسين الربحية، وليست استجابة لتهديد فرض تعريفات جمركية.
ولدى واشنطن أسباب وجيهة للقلق بشأن الاعتماد الكبير على الموردين الأجانب للأدوية الأساسية. لكن فرض الرسوم الجمركية يُعد وسيلة غير مباشرة لمعالجة هذا الضعف. فإذا كان الهدف هو تعزيز القدرة على الصمود، فإن تقديم حوافز مُوجهة للأدوية ذات الأهمية الاستراتيجية، وتنويع سلاسل التوريد، وإبرام عقود شراء مضمونة، من شأنه معالجة المشكلة بفعالية أكثر من فرض ضرائب على كل دواء جنيس مُستورد. لقد أمضت الولايات المتحدة أربعة عقود في بناء نظام يكافئ من يستطيع توفير أدوية آمنة بأقل تكلفة، وأصبحت الشركات الآسيوية بارعة للغاية في ذلك. وإلى أن تثبت واشنطن أنها مستعدة حقاً للتراجع عن كل ما بنته خلال تلك الفترة، فلا داعي أن تقلق شركات الأدوية الهندية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بو ست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتبة متخصصة في الشؤون الآسيوية