في ظل الأزمة الراهنة في مضيق هرمز، تشكل هجمات «الحوثيين» على ممر مائي قريب في البحر الأحمر خطراً بالغاً على الاقتصاد العالمي. وقبل بضع سنوات، كان «الحوثيون» يُعدون من الدرجة الثانية أو الثالثة ضمن «محور المقاومة»، الذي تقوده إيران، ما دفع صانعي السياسات إلى اعتبارهم تابعين لطهران. لكنهم، رغم استفادتهم من الأسلحة والتدريب والخبرات الإيرانية، لديهم مصالحهم الخاصة ويبدو أنهم يتصرفون وفقاً لها.
«الحوثيون» يسيطرون على جزء كبير من شمال اليمن، وربما بات لديهم القدرة على التأثير في المرحلة المقبلة من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إذا استأنفت حصار مضيق باب المندب. وقد يؤدي ذلك إلى إشعال الحرب اليمنية مجدداً، وتعقيد أي اتفاق مع إيران، ودفع الولايات المتحدة إلى مزيد من التورط في صراعات المنطقة.
وكان أحد الافتراضات الرئيسية قبل الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، الذي بدأ في فبراير الماضي، أن الميليشيات المدعومة من طهران أُضعفت بشدة. فقد تلقى «حزب الله»، الذي كان أقوى شركاء إيران في المنطقة، ضربات قاسية من إسرائيل خلال حرب غزة، وكذلك «حماس»، بينما خسرت إيران حليفاً رئيسياً آخر بانهيار نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024.
وكانت القدرات العسكرية للحوثيين قد تضررت أيضاً جراء الضربات الأميركية خلال عامي 2024 و2025، لكنهم لم ينخرطوا في القتال عندما بدأت أميركا وإسرائيل ضرب إيران، وربما تجنبوا بذلك التعرض لضربات مماثلة.
وربما كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة. فبفضل موقعهم الجغرافي، يستطيع الحوثيون تعطيل حركة التجارة في مضيق باب المندب، الممر المائي الحيوي عند مدخل البحر الأحمر، الذي تمر عبره 12 إلى 15% من التجارة البحرية العالمية. وفي الطرف الآخر تقع قناة السويس، وهي ممر حيوي لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال إلى أسواق أميركا الشمالية وأوروبا. ومع إغلاق إيران مضيق هرمز، أصبح «الحوثيون» ينظرون لأنفسهم على أنهم في موقع بالغ القوة.
ومنذ استيلائهم على صنعاء عام 2014 وطرد الحكومة المعترف بها دولياً منها في أوائل 2015، توسّع نفوذ «الحوثيين» بصورة كبيرة.
وخلال حرب إسرائيل وغزة التي بدأت عام 2023، هاجم «الحوثيون» السفن التجارية في البحر الأحمر باستخدام طائرات مسيرة هجومية وصواريخ وسفن غير مأهولة منخفضة التكلفة. ورفع ذلك مخاطر الملاحة وتكلفة التأمين على السفن بنحو 20 ضعفاً، ما أدى فعلياً إلى إغلاق المضيق، واضطر السفن إلى الالتفاف حول جنوب أفريقيا، في رحلة أطول بأكثر من 4 آلاف ميل بحري وزيادة في تكاليف الشحن.
واستأنف الحوثيون هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر الشهر الماضي، مستهدفين ناقلات نفط مرتبطة بالسعودية ومنشآت للطاقة والنقل. وقالوا إنها بمثابة رد على غارات سعودية مزعومة استهدفت مدرج مطار صنعاء في 13 يوليو، في محاولة لمنع طائرة إيرانية من الهبوط. ولا تزال السفن التجارية تعبر البحر الأحمر، لكن حركة ناقلات النفط تراجعت بشدة، واستمرت الهجمات على سفن يصفها الحوثيون بأنها موالية للسعودية. وفي 12 أغسطس، أسفر هجوم على سفينة شحن عن أول وفيات معلنة في تلك الجولة.
وخلال الأيام الأخيرة، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن مهاجمة سفينة في ميناء المخا بالبحر الأحمر، الخاضع لسيطرة قوات متحالفة مع الحكومة اليمنية، إضافة إلى مطارات ومنشآت لتكرير النفط في السعودية.
ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أصبح طريق البحر الأحمر وقناة السويس أكثر أهمية. وكانت السعودية تستخدم خط أنابيب لنقل النفط الخام إلى ميناء ينبع لتجنب هرمز، لكن هجمات الحوثيين عطلت هذا الخيار. وقد يؤدي شبه إغلاق الطريقين إلى تفاقم اضطرابات التجارة العالمية ورفع أسعار النفط ومعدلات التضخم.
وأصبح «الحوثيون» الآن قادرين على تصعيد مشاركتهم في الصراع الإقليمي وتعقيد جهود إنهائه. وقد يفترض البعض أن تحركاتهم تأتي بتحريض من إيران، لكن مصالحهم الخاصة تجعل الأمر أكثر تعقيداً، بجانب نهجهم البراغماتي واختيارهم التوقيت المناسب. وعندما هاجموا الملاحة بين 2023 و2025، قالوا إن هدفهم الضغط على إسرائيل لخفض عملياتها في غزة، لكنهم حاولوا من خلال الهجمات تعزيز «شرعيتهم» في مناطق سيطرتهم وحولت الانتباه عن إخفاقاتهم في الحكم وتراجع شعبيتهم.
أما الآن، فيبدو أنهم يرون فرصة لزيادة نفوذهم في المفاوضات مع السعودية بشأن تسوية سياسية للحرب اليمنية، أو لاستئناف القتال ضد الحكومة اليمنية المدعومة دولياً. وكانت هجماتهم السابقة قد أثرت في الاقتصاد العالمي، لكن آثارها ظلت قابلة للسيطرة. أما إغلاق باب المندب بالتزامن مع هرمز، فمن المرجح أن تكون تداعياته الاقتصادية أشد بكثير.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب مع إيران، يهدد الحوثيون باستئناف الحرب في اليمن، بما يهدد تجارة النفط العالمية، ويزيد اضطراب المنطقة.لذلك، لن يكون خفض التوتر الإقليمي سهلاً كونه يتطلب مواجهة تهديد «الحوثيين»، بدلاً من افتراض أن التفاوض مع إيران سيحل المشكلة. كما لا ينبغي افتراض أن أي اتفاق مع طهران سيُلزم الحوثيين بخطواتهم اللاحقة. وعلى المجتمع الدولي التعامل معهم باعتبارهم طرفاً عملياً وخطيراً، يتخذ قراراته وفقاً لمصالحه الخاصة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
*خبيرة سياسية في مؤسسة راند ومؤلفة كتاب «النموذج اليمني».