بعد أن تعرّضت مدينة صغيرة تعاني اقتصادياً لرياح بقوة الأعاصير، ظل الآلاف من سكانها لأسابيع من دون كهرباء. وبدأ اليأس يتزايد مع نفاد الطعام والأدوية والمال. حدث ذلك للتوّ، ليس في دولة أجنبية، ولا حتى في إقليم أميركي يعاني الإهمال المزمن مثل بورتوريكو، بل في غاري بولاية إنديانا، في قلب الولايات المتحدة الأميركية.
إن ارتفاع حرارة الكوكب جراء التغير المناخي، يؤدي إلى عواصف أكثر شدّة وتدميراً، مثل عاصفة الـ«ديريتشو» التي اجتاحت شمال غربي إنديانا في 11 أغسطس، برياح بلغت سرعتها 99 ميلاً في الساعة. لكن تأثير هذه الكوارث يتضاعف بشكل هائل بسبب أوجه القصور البشرية قبل وقوعها وبعده. وغاري ليست المثال الأول، ولن تكون الأخير، ولا الأسوأ.
ومن بين 370 ألف مشترك لدى شركة «شمال إنديانا للخدمات العامة» (NIPSCO)، فقدوا الكهرباء يوم العاصفة، كان أكثر بقليل من 3 آلاف مشترك لا يزالون من دون كهرباء يوم الثلاثاء الماضي، وكان معظمهم في غاري. وتعهّدت الشركة بإعادة معظم التيار الكهربائي بحلول نهاية اليوم. لكن هذا الانفراج جاء ببطء شديد بالنسبة إلى عدد كبير من السكان، فقبل خمسة أيام فقط، كان 21 ألفاً من سكان غاري، أي ما يقرب من ثلث سكان المدينة، قد أمضوا 10 أيام في الظلام.
وكان انقطاع الكهرباء لهذه المدة كارثياً بشكل خاص على غاري، وهي مدينة يعيش 29% من سكانها تحت خط الفقر الفيدرالي. واضطر آلاف الأشخاص الذين لا يستطيعون تحمُّل تكلفة شراء مولدات كهربائية إلى التعامل مع جبال من الطعام الفاسد. ولجأوا إلى الملاجئ وبنوك الطعام المحلية للحصول على وجبات، وإلى مصادر كهرباء لشحن هواتفهم، حتى يتمكنوا من معرفة أماكن الحصول على وجبتهم التالية. وظلت المدارس والشركات مغلقة لفترات طويلة ومدمرة اقتصادياً، ما زاد من معاناة اقتصاد محلي كان قد أنهكته عقود من التراجع.
وفي ليالي أغسطس الحارة والرطبة، أجبر انقطاع الكهرباء السكان على الاختيار بين فتح النوافذ للسماح بدخول الهواء، مع السماح في الوقت نفسه بدخول البعوض الناقل للأمراض، أو إبقاء النوافذ مغلقة وتحمُّل الحرارة الخانقة، وفقاً لما وثّقته صحيفة «شيكاغو صن تايمز». كما طُلب من بعض سكان «غاري» غلي مياه الشرب من وقت لآخر، وهو طلب يصعب تنفيذه عندما لا تتوافر الكهرباء. وكأن ذلك لم يكن كافياً، أدى تعطل المضخات إلى تسرب مياه الصرف الصحي إلى الأفنية الخلفية للمنازل.
وأعاد كل ذلك إلى الأذهان ذكريات إعصار كاترينا عام 2005، عندما أدى تعامل حكومي مرتبك مع الكارثة إلى ترك آلاف الأشخاص في نيو أورلينز عالقين لأسابيع في ظروف قاسية ومميتة. كما أن حقيقة أن غالبية الضحايا في الحالتين كانوا من السود جعلت المقارنة أكثر وضوحاً. فالسكان السود يشكّلون 80% من سكان غاري، التي يتقلص عدد سكانها باستمرار، بينما كان السود يشكلون 67% من سكان نيو أورلينز قبل إعصار كاترينا.
وعلى خلاف ما حدث في كاترينا، لا يبدو أن سوء الإدارة الحكومية هو السبب الرئيسي لمعاناة غاري بعد العاصفة. فقد تركّز معظم اللوم في هذه الكارثة تحديداً على شركة «شمال إنديانا للخدمات العامة»، التي تفرض على عملائها في شمال غربي إنديانا أعلى أسعار الكهرباء في الولاية. وفي الواقع، وافت الجهات التنظيمية في الولاية على زيادة في الأسعار قبل أقل من أسبوع من العاصفة، وإن كانت الزيادة المعتمدة تعادل نحو نصف الزيادة التي طلبتها الشركة.
فإذا كنت تدفع أسعاراً مرتفعة للكهرباء، فمن الطبيعي أن تتوقع خدمة أفضل من أن تضطر إلى قضاء أسبوعين في إشعال النيران في فناء خلفي ملوث بمياه الصرف الصحي لمجرد غلي مياه الشرب. ودعا حاكم إنديانا، مايك براون، إلى إجراء تحقيق في مدى استعداد «شمال إنديانا للخدمات العامة» للعاصفة وطريقة تعاملها معها.

لكن مشكلات غاري لها أيضاً جذور أعمق. فقد تأسّست المدينة على يد شركة «يو إس ستيل»، وتقع على بعد 30 ميلاً فقط على طول شاطئ بحيرة ميشيغان من شيكاغو، وارتبط ازدهارها وانهيارها بمصير صناعة الصلب الأميركية. ومن ذروة بلغ فيها عدد سكانها 178320 نسمة عام 1960، تراجع عدد سكان غاري إلى نحو 67 ألفاً اليوم.
وقد أدى تقلص القاعدة الضريبية للمدينة إلى إضعاف قدرتها على حماية سكانها وبنيتها التحتية من الكوارث. واتهم مسؤولون محليون شركة «شمال إنديانا للخدمات العامة»، على وجه الخصوص، بالفشل في ضمان قدرة غاري على الصمود أمام الكوارث.
ويتوافق ذلك مع نمط قاتم تفرضه تغيرات المناخ في أنحاء العالم: «الأشخاص الأكثر عُرضة للخطر أمام الكوارث المناخية هم في الغالب أولئك الذين يملكون أقل قدر من الموارد للاستعداد لها والتعافي من آثارها». 
ومن الصحيح أيضاً أن فترات انقطاع الكهرباء أصبحت أطول في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ويرجع ذلك أساساً إلى زيادة عدد وشدة الظواهر الجوية المتطرفة، مثل العواصف وحرائق الغابات والفيضانات. ووفقاً لدراسة حديثة أجرتها شركة الأبحاث الأميركية «إس إس آر»، تضاعف متوسط مدة انقطاع الكهرباء للمشترك الأميركي من 219 دقيقة سنوياً خلال الفترة 2013-2015 إلى 443 دقيقة خلال الفترة 2022-2024.
ومع ارتفاع حرارة الكوكب، يبدو أن البيئة تتغير بوتيرة أسرع من قدرة شركات المرافق على الاستجابة.
ولحسن حظ غاري أن الطقس القاسي الذي شهدته مؤخراً كان بائساً فحسب، ولم يتحول إلى موجة حرارة كارثية. فبعد أن أغرق إعصار بريل مدينة هيوستن عام 2024، ساهم انقطاع الكهرباء لفترة طويلة وموجة الحر في وفاة ما لا يقل عن 13 شخصاً،. لكن الاعتماد على الحظ ليس خطة. فالمزيد من الكوارث قادم لاختبار قدرتنا على الصمود. وتجربة «غاري» تُمثّل تحذيراً واضحاً من أننا ما زلنا بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في قضايا التغير المناخي