بصفتي عالمة تغذية، شعرتُ بحماس عندما علمت أن الحكومة الفيدرالية تستعد لنشر تعريف للأطعمة فائقة التصنيع الشهر الحالي. فكما يرى العديد من المشرّعين، يُعتبر غياب تعريف موحّد يمثّل أكبر عقبة أمام تنظيم أطعمة مثل الآيس كريم والمشروبات الغازية والبسكويت، التي تُشكّل أكثر من نصف النظام الغذائي للأميركيين وترتبط بالسكّري من النوع الثاني وأمراض القلب والخرف.
وكان من شأن تعريف فيدرالي أن يضع أساساً لسياسات من شأنها أن تُعيد تشكيل النظام الغذائي للأميركيين وصحتهم. وكان إصدار التعريف بمثابة انتصار كبير لحركة «لنجعل أميركا صحية مجدداً» التي أطلقها وزير الصحة روبرت ف. كينيدي جونيور، رغم أن العديد من الأميركيين كانوا سيرحّبون بتلك الخطوة، سواء اتفقوا مع أجندة كينيدي الأوسع أم لا. لكن الحكومة لم تصدر التعريف في الموعد المتوقع، بل أعلنت إحالته إلى مكتب الإدارة والميزانية للمراجعة. وقد تكون هذه المراجعة الخطوة الأخيرة قبل اعتماد السياسة، أو مرحلة تتعطل فيها القاعدة إلى أجل غير مسمّى.
ونظراً إلى نجاح صناعة الأغذية سابقاً في تأخير القواعد عند وصولها إلى هذه المرحلة، قد يكون ذلك الاحتمال الأخير هو مصير التعريف. ويبدو أن صناعة الأغذية كانت وراء تغيير الخطط في اللحظة الأخيرة. فقد أفادت تقارير صحفية بأن مسؤولين تنفيذيين في شركات غذائية كبرى أبلغوا البيت الأبيض بأن تعريف الأطعمة فائقة التصنيع سيُربك المستهلكين ويرفع تكاليف البقالة، وهو ادّعاء غير مؤكد. وقالت رابطة العلامات التجارية الاستهلاكية، وهي إحدى أبرز جماعات الضغط في القطاع، إنها واثقة من أن التعريف لن يُعتمد بمجرد أن يدرك الرئيس عواقبه على أجندته المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف.
وقد شهدنا العام الماضي استراتيجية مماثلة. فكانت وزارة الزراعة الأميركية تستعد لإصدار قواعد أكثر صرامة للحدِّ من تلوث الدواجن النيئة بالسالمونيلا، قبل أن تطلب جماعات صناعة اللحوم من ترامب سحب المقترح بحجة أنه سيرفع أسعار المواد الغذائية.
واستجابت الوزارة بعد بضعة أشهر. وتبرز تلك الأحداث الصراع بين الهيئات الصحية وأجندة كينيدي الصحية ورئيس يفضّل تحرير الصناعة من القيود التنظيمية. فقد وصف كينيدي الأطعمة فائقة التصنيع بأنها محرّك رئيسي للأمراض المزمنة، ودعا إلى إعادة هيكلة النظام الغذائي الأميركي. وتعهّد مراراً، في تصريحاته الإعلامية وشهاداته أمام الكونغرس، بنشر تعريف فيدرالي يتبعه اتخاذ إجراءات مثل وضع ملصقات على مقدمة العبوات. لكن ذلك يتطلب تنظيم صناعة الأغذية، بما يتعارض مع أجندة ترامب المناهضة للتنظيمات، فضلاً عن التخفيضات الكبيرة في أعداد العاملين بهيئة الغذاء والدواء ووزارة الزراعة، وهما الجهتان المسؤولتان عن وضع وتطبيق قوانين الغذاء الجديدة. وتستخدم صناعة الأغذية أساليب مارستها لعقود.
فقد ضغطت الشركات لمنع الولايات من وضع تعريفاتها الخاصة للأطعمة فائقة التصنيع، مطالبةً بمعيار وطني، على الأرجح لأنها تدرك أن تطبيق القواعد الفيدرالية أبطأ وأسهل في التأثير عليه. ومن المتوقع أيضاً أن تطعن الصناعة قضائياً في أي تعريف قانوني. وكشف تحقيق أجرته «لايتهاوس ريبورتس»، وهي منظمة إخبارية استقصائية غير ربحية مقرّها هولندا، أن شركات الأغذية رفعت، منذ عام 2010 نحو 239 دعوى في ست دول، بينها الولايات المتحدة، ضد سياسات مثل ملصقات مقدمة العبوة والقيود على تسويق الأطعمة غير الصحية للأطفال. كما أنفقت نحو 1.15 مليار دولار على الضغط لدى الحكومة الفيدرالية خلال 23 عاماً، أكثر من قطاعات التبغ والكحول والمقامرة، وقدّمت تبرعات كبيرة لحملات من الحزبين.
ويمكن لهذه التحركات ردع صانعي السياسات خشية خسارة المانحين أو الدخول في معارك قضائية مكلفة. وتزعم الشركات أن تصنيف الأطعمة وفق درجة معالجتها قد يدفع الحكومة إلى استهداف منتجات تُعد صحية تقليدياً، مثل الحمص والزبادي والخبز. وتفضّل الشركات أن تُركّز القواعد على كميات السكّر والملح والكربوهيدرات المكرّرة، بما يسمح لها بتعديل طفيف لتركيبات المنتجات الحالية بدلاً من ابتكار منتجات مختلفة بالكامل. هناك حلول منطقية لهذه المعضلة. ففي مايو، أوصت لجنة مستقلة من خبراء الغذاء بتصنيف الأطعمة فائقة المعالجة بناء على احتوائها على مكونات صناعية نادرة الوجود في المطابخ المنزلية، مع استثناء أطعمة مثل خبز الحبوب الكاملة الذي يستوفي معايير غذائية صارمة.
وينجح هذا النهج لأنه يُحدد الأطعمة فائقة المعالجة باستخدام المعلومات المتوفرة على عبوات الطعام، والأهم أنه يسمح بإعفاء المنتجات الصحية من اللوائح اللاحقة. في الوقت الراهن، تُعرقل شركات الأغذية الكبرى أي إصلاحات غذائية جادة من خلال الضغط السياسي. لكن لا يزال هناك أمل في كسب معركة الحفاظ على نظامنا الغذائي، إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الأميركيين من الحزبيين يؤيدون اتخاذ إجراءات بشأن الأطعمة فائقة المعالجة، مثل وضع ملصقات أوضح على واجهة العبوة، وفرض قيود على التسويق للأطفال، وتقليل توفرها في المدارس. وقد أظهرت حركة «اجعلوا أميركا صحية مجدداً» الحاجة إلى معايير غذائية أفضل. وينبغي على الحكومة الفيدرالية وضع تعريف علمي دقيق للأطعمة فائقة المعالجة ونشره. وفي حال عدم اتخاذ إجراء تنفيذي، ينبغي على الكونجرس العمل على إقرار تعريف خاص به. وستكون هذه الخطوة بمثابة خطوة أولى حاسمة نحو تحسين النظام الغذائي الأميركي.
- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
* أستاذة التغذية في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، ومديرة برنامج أبحاث الغذاء العالمي التابع للجامعة.