منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، كانت المرأة في قلب مسيرة النهضة، شريكاً أساسياً في بناء الدولة الناهضة وركناً من أركان نجاحها وتميزها. وإذا كانت السنوات الأولى للاتحاد قد دشّنت مرحلة جديدة في تاريخ الإمارات، فإنها دشنت كذلك مرحلة أكثر اتساعاً في حياة المرأة الإماراتية، انتقلت فيها من أدوارها التقليدية إلى آفاق واسعة من التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية والعطاء الوطني.
وكانت القيادة الرشيدة هي حجر الزاوية في إطلاق مسيرة المرأة وتوفير كل أسباب النجاح لها، في ظل إيمان مطلق بدورها وقدراتها، عبَّر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في رسالة وجهها بمناسبة «يوم المرأة الإماراتية» عام 2023، قال فيها: «إلى أم الإمارات، أخواتي، أم أبنائي، بناتي. إلى المرأة الإماراتية، بنات زايد، أنتن الإشراقة على وجه الوطن الذي تباركت بكن مسيرته، وبشارة تقدمه، ذخرنا في أوقات العطاء، وحظنا في لحظات التفوق. دوركن أساس، وطموحكن سماء».
ومثل هذا التقدير إنما يمثل امتداداً للرؤية الملهمة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كرَّس جهوده لإطلاق طاقات المرأة الإماراتية، واستثمارها لبناء وطن قوي ينعم بالاستقرار والرخاء والازدهار والتماسك. ولم يكن ذلك موقفاً عابراً فرضته متطلبات الدولة الحديثة، وإنما كان جزءاً من رؤية المؤسس الحكيم لبناء المجتمع والإنسان. فقد أدرك منذ وقت مبكر أن نهضة المجتمع لا يمكن أن تكون مكتملة إذا بقيت المرأة بعيدة عن التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، وهو ما عبَّر عنه، رحمه الله، بقوله: «لقد كنا نعى منذ البداية أهمية تواجد المرأة في ميادين العمل الوطني في المجتمع المعاصر، فهي تُشكل نصف المجتمع الذي لا يستطيع النهوض بدونه».
وإذا كان إيمان الشيخ زايد بدور المرأة قد أصبح لاحقاً رؤية دولة وسياسة مجتمع، فإن جذوره تمتد إلى مرحلة أبكر بكثير، إلى طفولته ونشأته في كنف والدته الشيخة سلامة بنت بطي، رحمها الله، إذ كان يشير إليها في كل أحاديثه بوصفها مدرسة تعلم فيها الكثير من المبادئ والقيم التي استقرت في وجدانه، ولقد سئل - طيب الله ثراه- عما يذكره عنها، فقال: «أذكر عنها كل خير. أذكر عنها الكرم، فلقد كانت -رحمها الله- كريمة، ولها طلعات ونظرات تجاه الرعية والجماعة وحلول أيضاً.. كانت أمّاً متميزة وعظيمة، وطول عمرها لم تنس في يوم من الأيام شيئاً من واجباتها نحو الصديق أو القريب، أو صلة الرحم، أو من الأهل أو من الشعب أبداً».
كما أن سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات» رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، من بين النماذج التي أكدت رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في القدرات غير المحدودة للمرأة، من خلال عملها الدؤوب، وهو ما يتضح في قوله، طيّب الله ثراه، إن «الشيخة فاطمة نجحت في استيعاب أهدافي وأفكاري، وحوّلت هذه الأفكار إلى تجارب ناجحة في كل الميادين».
وكان تأسيس جمعية نهضة المرأة الظبيانية عام 1973، ثم تأسيس الاتحاد النسائي العام في 27 أغسطس 1975 برئاسة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، نقطة تحول أساسية في تاريخ المرأة الإماراتية. فقد أصبح الاتحاد مظلة وطنية تجمع جهود العمل النسائي، وتعمل على تطوير قدرات المرأة ورفع مكانتها وتعزيز مشاركتها في مختلف مجالات الحياة. ومن خلال الاتحاد النسائي والمؤسسات والمبادرات التي ارتبطت بجهود «أم الإمارات»، انتقلت قضية المرأة الإماراتية من مرحلة التشجيع العام إلى مرحلة بناء القدرات وفتح الأبواب أمام التعليم والتدريب والعمل والمشاركة المجتمعية. ولم يكن الهدف أن تحصل المرأة على فرص رمزية، وإنما أن تصبح قادرة على المنافسة والإنجاز وتحمل المسؤولية، وأن تجد المؤسسات التي تساعدها على ذلك.
لقد حققت المرأة الإماراتية خلال عقود قليلة نقلة استثنائية بكل المقاييس. فقد أتاحت لها الدولة منذ أيامها الأولى فرصاً متنامية للتعليم والتأهيل، وفتحت أمامها أبواب العمل والمشاركة في مختلف ميادين الحياة، وصولاً إلى مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة والاقتصاد والثقافة والعلوم والإعلام والدبلوماسية وغيرها من المجالات. كما واصلت الدولة تطوير التشريعات والسياسات والمبادرات التي عززت حضورها ومشاركتها. وهكذا أصبحت المرأة الإماراتية اليوم حاضرة في مختلف مواقع المسؤولية، وفي مقدمة القطاعات التي تشكل مستقبل الدولة، من العلوم والتكنولوجيا والفضاء والدفاع والاقتصاد إلى العمل القيادي السياسي والدبلوماسي والبرلماني والقضائي والثقافي.
وبقدر أهمية حجم الإنجازات التي تحققت، فإن ما لا يقل أهمية عنها هو سرعة التحول الذي قاد إليها، إذ انتقلت المرأة الإماراتية، في غضون بضعة عقود، من مجتمع كانت فيه فرص التعليم والعمل محدودة بحكم ظروف المرحلة، إلى مجتمع تتبوأ فيه المرأة مواقع متقدمة، وتشارك بكفاءة واقتدار في صناعة القرار وفي التنمية الوطنية. وهي مسيرة تعكس خصوصية التجربة الإماراتية التي جمعت بين المحافظة على القيم الاجتماعية والثقافية الأصيلة والانفتاح على متطلبات العصر، وجعلت تمكين المرأة جزءاً من مشروع بناء الدولة لا قضية منفصلة عنه.
ومن هنا، فإن الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية ليس مناسبة للاحتفاء بما حققته المرأة الإماراتية فحسب، وإنما هو أيضاً يوم للفخر الوطني، تطاول فيه هامات بنات الإمارات السماء، ومناسبة لاستعادة مسيرة طويلة من العمل والطموح، والتوقف أمام تجربة إماراتية أثبتت أن الاستثمار في المرأة هو استثمار في مستقبل الوطن، وأن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن نهاية الطريق، بل أساساً لمراحل جديدة من العطاء والإنجاز.
*كاتب إماراتي