اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصطلح «يوم الإنزال» «دي داي» لوصف إطلاق حملته الجديدة للعقوبات الاقتصادية على إيران، في محاولة لتحقيق التفوق في الحرب المتعثرة معها.
ولم تكن إشارته إلى الحشد الهائل للقوة الأميركية في الحرب العالمية الثانية، ضمن أكبر عملية إنزال برمائية عسكرية في التاريخ، مجرد وسيلة لجذب الانتباه على وسائل التواصل الاجتماعي، بل عكست جوهر رؤيته للعالم وثقته في قدرته على توظيف القوة الاقتصادية والعسكرية الأميركية كاملة لتوجيه الأحداث العالمية بما يخدم أهدافه السياسية.
لكن مواجهة إيران، وتصاعد حرب الرسوم الجمركية مع كندا، والمنافسة مع الصين في آسيا، وضعت ترامب أمام واقع قاسٍ لجيوسياسة القرن الـ21، مفاده أنه حتى القوى العظمى لها حدود.
وتعتبر أميركا اليوم أقوى مما كانت عليه عند إنزال قوات الحلفاء في فرنسا عام 1944، حيث قال ترامب قبيل الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة الصيف الحالي إن «لديها أكبر اقتصاد وأقوى جيش وأقوى تكنولوجيا على الإطلاق». إلا أن الدول الأخرى تمتلك نفوذاً أيضاً، وبعضها أصبح أكثر استعداداً لاستخدامها في مواجهة ترامب، وفي مقدمتها الصين بوصفها قوة تكاد تعادل الولايات المتحدة، إلى جانب إيران وكندا.
وأدى ذلك إلى وضع الرئيس أمام تحدٍّ في السياسة الخارجية أكثر تعقيداً مما توقعه في بداية ولايته الثانية عندما كان الأمر يتعلق بمقدار الضغط الذي ينبغي أن يمارسه على الدول الأخرى، وما الذي يطالبها به، ومتى يقبل تنازلاتها. ولهذا وجد في فرض الرسوم الجمركية أداة فعالة.
وبعد إعلانات الرسوم الجمركية الأولى في أبريل 2025، قال ترامب بحماس: «جميع الدول تتصل بنا. وضعنا أنفسنا في مقعد القيادة... والآن سيفعلون أي شيء من أجلنا». وأظهر الثقة نفسها في بداية الحرب مع إيران، مؤكداً أن الحرب حُسمت بالفعل. لكن أحدث مواجهتين مع إيران وكندا كشفتا أن الأمور ليست بهذه البساطة.
وتُشكِّل التوترات مع كندا التحدي الأكثر إلحاحاً. فقد فرض ترامب رسوماً بنسبة 50% على صادرات كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، بعدما انهارت المفاوضات بين البلدين. وكان رد كندا الأول محاولة التفاوض للتوصل إلى اتفاق، لكن رئيس الوزراء مارك كارني رفض مطالب أميركية وصفها بأنها غير مقبولة.
وردّ ترامب بفرض الرسوم، بينما أعلن كارني رسوماً مضادة «دولار مقابل دولار» على مجموعة واسعة من الواردات الأميركية، تبدأ في 8 سبتمبر. ويواجه ترامب الآن خيار البحث عن تسوية قبل بدء الإجراءات الكندية أو التمسك بموقفه.
وقد تدفعه غريزته القائمة على منطق القوة العظمى إلى التمسك بموقفه، فالاقتصاد الأميركي أكبر بكثير من الاقتصاد الكندي، وتعتمد كندا على التجارة مع الولايات المتحدة بصورة أكثر بكثير من اعتماد الأميركيين عليها. ويرجّح أن تؤثّر الرسوم الجمركية المضادة على الشركات والمستهلكين الكنديين أيضاً.
لكن التراجع عن المواجهة يحمل كلفة سياسية أيضاً، إذ قد يوحي بأن ضغط كندا نجح، ويشجّع دولاً أخرى على رفض مطالب ترامب مستقبلاً. وفي المقابل، حظي موقف كارني بدعم واسع داخل كندا، ما يعني أن استمرار الحرب التجارية قد يصبح عبئاً على الأميركيين، لاسيما في الولايات المتاخمة لكندا، قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
أما التعامل مع إيران، فقد يكون أكثر تعقيداً. ومرة أخرى قد تدفع غريزة ترامب القائمة على منطق القوة العظمى إلى تشديد العقوبات، لاسيما العقوبات «الثانوية» التي تستهدف الشركات والدول التي تتعامل مع طهران. ومن شأن هذه الإجراءات زيادة الضغط على اقتصاد إيراني يعاني بالفعل بشدة.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في الصين، التي تشتري الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، كما تزعم الدول الغربية أن الصين تقوم بتوفير مكونات للطائرات المسيرة العسكرية الإيرانية. وقد أدانت بكين العقوبات الأميركية الجديدة، مؤكدة استعدادها لحماية مصالحها، ما يجعلها الاختبار الأصعب لسياسة ترامب الاقتصادية تجاه إيران.
ولم تنتظر الصين المثال الكندي لتقرر المواجهة. فمنذ بداية ولاية ترامب الثانية، أوضحت أن الضغط الاقتصادي لن يجدي نفعاً. وردّت بكين بوقف صادرات المعادن الأرضية النادرة، الضرورية للصناعات المتقدمة والتصنيع العسكري، والتي تملك الصين نفوذاً شبه احتكاري على إمداداتها العالمية.
وبعد تصعيد متبادل للرسوم الجمركية تجاوزت خلاله الرسوم الأميركية 100%، وافق الرئيس ترامب على هدنة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، تضمنت إلغاء القيود المفروضة على استيراد العناصر الأرضية النادرة لمدة عام.ومع اقتراب موعد زيارة الرئيس «شي» للولايات المتحدة في سبتمبر القادم، وانتهاء تجميد استيراد العناصر الأرضية النادرة بعد ذلك بفترة وجيزة، قد يعيد ترامب النظر في مسألة الضغط على بكين بشأن العقوبات المفروضة على إيران.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
*كاتب متخصص في الشؤون الدولية والدبلوماسية.