لعقود، عاشت جماعة «الإخوان» على الخداع: تقدم للغرب وجهاً مدنياً معتدلاً، بينما تعمل في الخفاء على بناء مشروع أيديولوجي يتجاوز حدود الدولة ويستهدف سيادتها واستقرار مؤسساتها. اليوم، انهارت هذه المنظومة. سقط القناع، وانكشف المشروع، ووجدت الجماعة نفسها محاصرة من كل اتجاه: ملاحقة قانونية تتسع دولياً، وحرب داخلية لا يبدو لها مخرج، ورفض إقليمي حاسم، تقف الجماعة الآن أمام لحظة انهيار قد تضع حداً لمشروعها السياسي برمته.
ما كان يوماً حركة تستخدم الإسلام السياسي أداة لتوسيع النفوذ الإقليمي، أصبح اليوم مشروعاً سياسياً منتهياً. والعالم بدأ يدرك أخيراً ما أدركته دولة الإمارات العربية المتحدة منذ البداية: أن الإسلام السياسي وسيادة الدولة الحديثة لا يمكن أن يتعايشا.
ولم تعُد الضربات الأكثر إيلاماً للجماعة تأتي من العواصم الشرق أوسطية وحدها، بل من الديمقراطيات الغربية نفسها التي سعى عناصرها لسنوات إلى الاحتماء بها وبناء النفوذ داخل مؤسساتها.
لسنوات، اعتمدت الجماعة على ما يُعرف بـ«التغلغل التدريجي»، أي التسلل الهادئ إلى الجامعات، ومجالس إدارة المؤسسات الخيرية، والمؤسسات المدنية، وبناء نفوذ أيديولوجي تحت غطاء الدفاع عن الحقوق والحريات المدنية. لكن هذه الاستراتيجية انكشفت اليوم على نحو لم يعُد معه من الممكن إخفاؤها خلف الخطاب الحقوقي أو المجتمعي.
وفي الوقت نفسه، تغيّرت الأرضية القانونية في واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية بصورة جوهرية. ومع صدور تصنيفات إرهابية أميركية رسمية بحق فروع إقليمية للجماعة، بدأت المؤسسات التشريعية في تفكيك البنية المالية التي قامت عليها شبكتها. كما كشفت جلسات وإجراءات رفيعة المستوى في الكونجرس الأميركي الشبكات المحلية التي عملت كواجهات للجماعة، وأزالت الغطاء الذي طالما وفّر الحماية لجمعيات صورية وكيانات وهمية. أما القنوات المالية التي غذّت هذه الشبكة لسنوات، فتواجه اليوم تضييقاً متزايداً وتجف واحدة تلو الأخرى.
وبينما تتصاعد الضغوط من الخارج، تدمر الجماعة نفسها من الداخل. فقد حُرمت من السلطة التي كانت تستند إليها، وفقدت مساحة العمل التي كانت متاحة لها في موطنها الأصلي في مصر، فانقسمت قيادتها إلى ثلاثة معسكرات متعادية تتصارع على موارد تتقلص باستمرار.
وتتحوّل هذه الانقسامات إلى حرب داخلية ثلاثية الأطراف يستعصي حلها. فلـ«جبهة لندن» تكافح للحفاظ على قنوات الضغط السياسي والعلاقات المصرفية في الغرب، في وقت تواجه فيه أصول مرتبطة بالجماعة إجراءات تجميد وملاحقة متزايدة. أما «جبهة إسطنبول»، فتتمسك بقيادات قديمة معزولة فقدت معظم صلتها بالتحولات الإقليمية وإعادة ترتيب العلاقات بين دول المنطقة. وفي المقابل، ترفض الفئة الشبابية المتمردة، المعروفة بـ«تيار التغيير»، كلا المعسكرين القياديين، لتدفع التنظيم بأكمله إلى حالة دائمة من الشلل الاستراتيجي.
ومن دون قيادة مركزية، أو رواية أيديولوجية قادرة على توحيد الصفوف، أو مصادر تمويل قابلة للاستمرار، تحوّلت الجماعة إلى مجموعة متنازعة من مراكز النفوذ، يتصارع كل منها على ما تبقى من إرث التنظيم وموارده.
وانهيار الإسلام السياسي لا يمثّل تراجعاً لجماعة «الإخوان» وحدها، بل يعكس تحولاً أوسع في المنطقة. ففي الوقت الذي قدمت فيه الجماعة نموذجاً قائماً على الانقسام، وإضعاف المؤسسات، والتطرف الأيديولوجي، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة وشركاؤها الإقليميون نموذجاً بديلاً يقوم على الاستقرار الوطني، والتنافسية الاقتصادية، والطموح التكنولوجي، والتعايش الديني الحقيقي.
لقد تغيّر المزاج الدولي بصورة حاسمة. فمن الجامعات في أميركا الشمالية إلى العواصم العربية، تتعرض البنية التي بنتها الجماعة للتفكيك، ويُرفض خطابها، وتنكشف شبكاتها أمام الرأي العام. لقد نفدت المساحة المتاحة أمام «إمبراطورية الخداع».. وانتصر في المقابل نموذج الدولة الحديثة ذات السيادة، التي وقفت في وجه الإرهاب الذي تبنته جماعة «الإخوان» ومواجهته.
*مستشار برلماني