لم تَعُد الحرب الحديثة تبدأ دائماً من الحدود، ولا تحتاج في كل مرة إلى دبابة أو صاروخ. قد تبدأ من شاشة صغيرة في يد فرد عادي، من حساب مجهول، من صورة مصطنعة، من «خبير» لم يوجد أصلاً، ومن خبر يعاد تدويره حتى يفقد الناس القدرة على معرفة أين وُلد، ومَنْ صنعه، ولماذا أُطلق في هذا التوقيت بالذات؟
قصة الشخصية الإيرانية الوهمية التي ظهرت باسم «شيدا عراقجي» ليست مهمة لأنها واقعة استثنائية، بل لأنها تكشف عن تحوّل عميق في طبيعة التضليل. لم نَعُد أمام خبر كاذب فقط، بل أمام صناعة كاملة للمصدر: اسم، صورة، صفة أكاديمية، شبكة علاقات، مواقف سياسية، وربما حسابات أخرى تمنحه الاعتراف وتعيد تدوير أقواله. ومع الذكاء الاصطناعي صار بالإمكان أن يُمنح الوهم وجهاً وصوتاً وسيرةً تكاد تقنع من لا يملك أدوات التحقق.
هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ «غسل المصدر».
فالرواية الدعائية لا تصل إلى المتلقي وهي تحمل توقيع الجهة التي صنعتها. تمرُّ عبر طبقات من الوسائط: حساب مجهول، صفحة عربية، موقع يحمل اسماً يوحي بأنه مؤسسة بريطانية أو فرنسية أو مركز مستقل متخصص في الشرق الأوسط، ثم صحفي أو ناشط يعيد نشر المادة باعتبارها «ما أوردته مصادر دولية». وبعد عدة دورات من النقل يتحول الأصل المجهول إلى مرجع، وتُصبح كثرة التكرار بديلاً عن الحقيقة.
هذه هي وظيفة الوسيط المموَّه: ألا يقنعك بالسردية لأنها صادرة عن إيران، بل أن يخفي عنك أنها إيرانية أصلاً.
والأخطر أن التضليل المعاصر لم يَعُد يحتاج إلى إدارة مركزية لكل تفصيل. الخوارزمية نفسها أصبحت شريكاً في المعركة، فهي تمنح الأفضلية لما يثير الغضب، ويعمق الانقسام، ويرفع منسوب الإهانة والاستفزاز. يكفي إذن أن تُزرع الرواية في بيئة مشحونة أيديولوجياً حتى يجد من يُعيد إنتاجها طوعاً، أحياناً من غير أن يدرك أنه صار جزءًا من سلسلة تأثير أكبر منه.
وهنا نصل إلى أخطر ما في المسألة عربياً: أن تتحول القضايا الجامعة إلى أدوات استقطاب داخلي.
فالقضية الفلسطينية، بما لها من مكانة في الوجدان العربي، يمكن أن تتعرض لاختطاف اتصالي حين يُعاد تعريف نصرتها بوصفها خصومة مع الدولة الوطنية العربية، أو حين يتحول النقد السياسي المشروع إلى خطاب تخوين شامل، وإهانة للمجتمعات، وتفكيك للثقة بين الشعوب وقياداتها.
ليس المقصود أن كل صوت مقاوم جزء من هذه المنظومة، ولا أن كل نقد للدولة العربية مشبوه، فهذا تبسيط لا يقلُّ خطورة عن التضليل نفسه. المقصود أن بعض دوائر التأثير المرتبطة بالسردية الإيرانية نجحت في استثمار خطاب «المقاومة» لإعادة توجيه الغضب العربي نحو الداخل، بحيث يصبح المواطن العربي مشغولاً بخصومة دائمة مع محيطه، بدل أن يسأل مَنْ يصنع الرواية ومَن يستثمر نتائجها.وهنا تكمن المفارقة: لا تحتاج الدعاية المُغرضة إلى أن تجعل العربي «يحب إيران»، يكفيها أحياناً أن تجعله أقل ثقة بعالمه العربي.المعركة الحقيقية، إذن، ليست مع حساب مزيّف ولا مع شخصية مختلقة، بل مع هندسة الإدراك: مَن يحدّد لك من هو خصمك؟ مَنْ يختار لك ما الذي يغضبك؟ مَن يعيد ترتيب أولوياتك؟ ومَن يحول الخوارزمية من أداة تواصل إلى آلة تعيد رسم خرائط العداء داخل المجتمع؟
ولهذا ينبغي أن ترافقنا ثلاثة أسئلة كلما صادفنا مادة مثيرة: مَنْ صنع المصدر؟ مَن ضخّم الرسالة؟ ومَن المستفيد من تحويلها إلى خصومة عربية داخلية؟
في زمن الذكاء الاصطناعي، قد لا يكون أخطر سلاح هو الذي يهدم مبنى، بل الذي يعيد بناء وعيك على صورة صنعها غيرك، ثم يتركك تدافع عنها كما لو كانت قناعتك أنت.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.