إشارات مقلقة تحيط بعالمنا الآن: درجات الحرارة تحطم الأرقام القياسية، مع تفاقم الجفاف وحرائق الغابات، واقتراب الديون في الاقتصادات المتقدمة من مستويات قياسية. كما أدت التخفيضات المتتالية للمساعدات الطبية والغذائية، لاسيما الأميركية، إلى وفيات كان يمكن تفاديها وساعدت في انتشار أمراض قد يتحول أحدها إلى جائحة جديدة. ويواصل الذكاء الاصطناعي صعوده السريع، بما له من نتائج بعضها لا يزال مجهولاً.
وتتحدى القوى الساعيةُ إلى تغيير النظام القواعدَ والأعرافَ دون عقاب، بينما أصبح الناخبون في حالة غضب وتقلب عاطفي. وتراجعت الدبلوماسيةُ الهادئة، القادرة على بناء الثقة، لصالح الدبلوماسية الاستعراضية الصاخبة. وسجل برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات 65 نزاعاً قائماً العام الماضي، وهو أعلى رقم منذ عام 1946.
وتغرق القوى الكبرى في حروب غير متكافئة تستفيد فيها دول أصغر من التكنولوجيا الحديثة. والحرب الروسية الأوكرانية، التي كان يفترض أن تنتهي سريعاً، تدخل عامَها الخامس. كما استخدمت إيران طائرات مسيرة ذات تكلفة إنتاجية زهيدة لمهاجمة القوات الأميركية، وهددت الملاحةَ البحريةَ في أحد أهم الممرات التجارية العالمية. الحرب العالمية ليست حتميةً، لكن خطر الصراع الكارثي أصبح أقرب منذ عقود. ويفضّل كثيرون تجاهلَ التحول، آملين انتهاء الحروب وإعادة بناء المؤسسات والتحالفات. لكن النظام العالمي بدأ يتآكل بسبب الاطمئنان المفرط والتسامح مع السلوك الخاطئ.
لقد دخلنا عصراً من الفوضى، وعلى الدول الاستعداد والاعتراف بأن النظام الهش يتعثر، وعليها أن تتكيف لأن مستقبل التعاون لن يشبه الماضي. ويوضح تاريخُ الثورات مخاطرَ رفض التغيير، فعشية الثورة الفرنسية كانت فرنسا قوة برية أوروبية، تعاني الإفلاس بعد ديون ضخمة ساهمت في تمويل هزيمة بريطانيا خلال الثورة الأميركية. وكانت النخبة مترفة وفاسدة، والطبقة الوسطى محرومة من السلطة، والفقراء يواجهون المجاعة، بينما انتشرت أفكار التنوير وحقوق الإنسان. وأخطأ الملوك في تقدير حجم الغضب، فسقطت الملكية وولدت جمهورية عنيفة، ثم أصبح نابليون إمبراطوراً خلال عقد واحد. وفي روسيا، جاءت ثورة 1917 بعد الهزيمة في الخارج، بينما أصر القيصر نيقولا الثاني على أن الروس ما زالوا يحبونه ولا حاجة للإصلاح.
وفي ألمانيا، أوصلت النخب هتلر إلى السلطة معتقدةً أنها تستطيع استخدامَه وتقييده، لكن النتيجة كانت إعادة تسليح ألمانيا واحتلال معظم أوروبا وقتل الملايين. أما نابليون فحطم المؤسسات القديمة وأقام هيمنة فرنسية على القارة، بينما نشر البلاشفةُ الأمميةَ الثوريةَ وحاربوا الرأسماليةَ والديمقراطية، وأعاد هتلر تسليح ألمانيا واحتل أوروبا وقتل ملايين اليهود وغيرهم. لكن الأمم وقادتها ينجحون أحياناً في قراءة المؤشرات في الوقت المناسب. ففي عشرينيات القرن الـ19، كانت الحكومة البريطانية تواجه ضغوطاً من الطبقات الوسطى التي أفرزتها الثورةُ الصناعية، لكنها كانت مستبعدةً من عملية صنع القرار السياسي.
وأدركت النخبة البريطانية، بعد أن عاينت الكارثة الفرنسية، أن عليها التكيف من أجل البقاء. وكان قانون الإصلاح الكبير لعام 1832 بمثابة صمام لتخفيف الضغوط، إذ وسّع حقَّ الاقتراع بما يكفي لتفادي أزمة أوسع. ويشبه الوضع الراهن تلك الأمثلة: شعوب غاضبة، ونخب تملك ثروات هائلة وقدرة على التأثير في الحكومات، وقادة يرفضون التوافق والمشورة.. وقد يجد مَن يتجاهلون علاماتِ التحذير أنفسَهم أمام أحداث لم يرغبوا فيها. ولطالما احتاج النظامُ الدولي إلى دعم القوى الكبرى وتعاون القوى الأصغر.
وبعد الحرب الباردة بدت الولاياتُ المتحدة مستعدةً لضمان نظام ما بعد 1945، لكن ذلك الضمان لم يعد قائماً في عهد ترامب. واحتمال دخول العالم فترة طويلة من الفوضى أصبح واضحاً، فهناك كوارث بلا جهة إنقاذ واضحة، وصراعات بلا جهة تحكيم واضحة أيضاً، وتحالفات تعاني ضغوطاً «الناتو»، وحرب روسية في أوروبا، وصدام أميركي صيني محتمل، وعنف متزايد بسبب التنافس على الموارد في عالم أكثر حرارة وجفافاً.ومع ذلك، لا تعني نهاية النظام القديم نهاية التعاون. فما زالت هناك مؤسسات دولية تدير العلاقات من الطيران المدني إلى الإنترنت، ومعاهدات تُحترم، وقانون دولي ورأي عام قادرين على الضغط على الحكومات، ومنظمات لا تزال قائمة رغم تراجع مواردها، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي.. إلخ.
وفي دافوس، وصف رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، نهايةَ «السلام الأميركي» بأنها نهاية «وهم لطيف»، وقال إن الدول تستطيع التصدي لذلك عبر تحالفات تقوم على قيم وأهداف مشتركة. وتعمل مجموعةٌ من القوى المتوسطة، من بينها كندا وأستراليا واليابان، معاً لملء الفراغ الذي خلّفه انسحابُ الولايات المتحدة من دورها السابق كقوة عظمى مسؤولة حيال السلام العالمي. والدرس التاريخي واضح: التشبث بالنظام القديم قد يكون خطيراً.
ففي صيف عام 1914، أخفق وزير الخارجية البريطاني السير إدوارد غراي وقادة أوروبيون آخرون في إدراك سرعة الانزلاق إلى الحرب، وظنوا أن مؤتمراً للقوى الكبرى سيحل أزمةَ البلقان. لكن الحرب العالمية الأولى اندلعت وغيّرت أوروبا والعالَم. وبحلول عام 1945، كانت بريطانيا والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وحلفاؤها قد خاضوا حربين عالميتين، فأنشأوا نظاماً جديداً لأن الأطر السابقة انهارت.لذا، لا ينبغي أن يقودنا التفاؤل إلى إنكار الواقع. فالنظام القديم يتفكك، لكن يمكن بالفعل بناء نظام جديد يحافظ على التعاون، إذا واجهنا الخطر بصدق وبدأنا العمل بدل انتظار وقوع الكارثة.
*مؤرخة وعميدة سابقة لكلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»