خلال الحرب العالمية الثانية استطاعت بريطانيا تشكيل جيش من الهنود بلغ عددُ أفراده 2.5 مليون جندي. كانت الهند في ذلك الوقت مستعمرة بريطانية تحكمها «شركة الهند الشرقية».
أول مهمة أمنية قام بها هذا الجيش هي التصدي لانتفاضة وطنية هندية ضد بريطانيا. حدث ذلك في عام 1942. وبعد أن استتبّ الأمر للشركة الحاكمة نُقل الجنود الهنود إلى جبهات القتال في الحرب العالمية الثانية، وحققوا لبريطانيا انتصاراتٍ عسكرية في شمال وشرق أفريقيا والشرق الأوسط.
وتمكّنت القوة العسكرية الهندية الخاضعة للتاج البريطاني من إلحاق الهزيمة بالقوات اليابانية في بورما بشرق آسيا. وكانت تلك الهزيمة الوحيدة التي منيت بها هذه القوات في شرق آسيا.
وإضافةً إلى ذلك، استخدمت بريطانيا المدخرات المالية الهندية. ومع نهاية الحرب كان مجموع الديون المستحقة للهند على بريطانيا يبلغ 1.3 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل في ذلك الوقت إجمالي الدخل القومي البريطاني.
وبطبيعة الحال فقد كان للحرب العالمية الثانية وجهٌ مأساويٌ، لا سيما على الهند، حيث قُتل 90 ألف جندي خلال سنوات القتال الستّ، إضافة إلى 3400 مدني قُتلوا تحت قصف الطيران الياباني. إلا أن الماساة الكبرى وقعت في البنغال (شرق الهند) في عام 1943، حيث قضى أكثر من ثلاثة ملايين هندي جوعاً نتيجة غلاء أسعار المواد الغذائية وفقدانها. حدث ذلك بعد قيام السلطة البريطانية الحاكمة بطبع كمياتٍ كبيرة من العملة الهندية دون أي تغطية، مما أدى إلى انهيار قيمتها الشرائية. ومما زاد الطين بلةً أنه خلال الانسحاب غير المنظم للقوات البريطانية من بورما، في عام 1942، تركت القيادةُ العسكريةُ البريطانيةُ وراءها أكثر من نصف مليون جندي هندي تائهين في الغابات، منهم من أكلته الوحوش، ومنهم من مات جوعاً.. ومنهم مَن وقع في أسر القوات البورمية.
وفي نهاية مرحلة الحكم البريطاني للهند، نشب صراع ديني إثني بين الطوائف والقوميات في البلاد، مما أدّى إلى مقتل قرابة المليون هندي، ومن ثم انقسام البلاد إلى دولتين: باكستان والهند. ثم انقسام باكستان على ذاتها بسبب الصراع على اللغة الرسمية للدولة (الأوردية أم البنغالية) إلى دولتين أيضاً هما بنغلادش وباكستان. وكان ثمن هذا الصراع اللغوي مليون قتيل أيضاً.
استمرت القطيعة الكاملة بين باكستان وبنغلادش حتى عام 1974 عندما عُقدت قمة إسلامية حول القدس في مدينة لاهور الباكستانية. رفض الرئيس البنغالي مجيب الرحمن الحضورَ، التزاماً منه بالقطيعة القائمة في ذلك الوقت. إلا أن المنظمة، حرصاً منها على الوحدة الإسلامية بين الدول الأعضاء، قامت بمسعى لإقناع الزعيم البنغالي بالحضور. وبعد موافقته، أوفدت المنظمةُ الاسلامية ثلاثةً من وزراء خارجية الدول الأعضاء لمرافقته من دكا عاصمة بنغلادش إلى مدينة لاهور الباكستانية حيث يُعقد المؤتمر. وكان بين الوزراء الثلاثة وزير مسيحي ماروني هو فؤاد نفّاع، وزيرُ خارجية لبنان في ذلك الوقت.
وبذلك طُويت صفحةُ الصراع الدموي بين الهند والباكستان، ثم بين شطري باكستان الشرقي والغربي. وقبل ذلك استقلّت الهندُ عن بريطانيا لتصبح اليوم واحدةً من الدول التي وصلت صواريخها العلمية إلى القمر.
قدمت الهند وباكستان وبنغلاديش ملايين القتلى خلال الحرب العالمية الثانية تحت العلم البريطاني، ثم قدمت ملايين الضحايا أيضاً لتتحول من دولة واحدة كبرى إلى ثلاث دول تبحث عن مصير مشترك الآن.
*كاتب لبناني