تعد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية، أو «نوارد»، واحدة من الرموز الراسخة للعلاقة الاستثنائية بين الولايات المتحدة وكندا. وقد أُنشئت عام 1957، وهي منظومة دفاعية أميركية كندية مشتركة صُممت لحماية البلدين من التهديدات الجوية والبحرية. ولا تزال «نوارد» جزءاً مهماً من أمن أميركا الشمالية، ومكملا وثيقاً لحلف شمال الأطلسي «الناتو». صحيح أن الاتحاد السوفييتي اختفى، لكن روسيا والصين وسعتا نشاطهما العسكري في القطب الشمالي، حيث يمكن أن تزداد حدة التنافس على الأراضي الاستراتيجية والمعادن الحيوية. وتشترك الولايات المتحدة وكندا في أطول حدود برية دولية في العالم. وحتى وقت قريب، لم تكن الخلافات العرضية بشأن التجارة أو المسائل الإقليمية البسيطة تُعتبر تهديداً خطيراً للعلاقة بين البلدين.
لكن ذلك تغير منذ أن أطلق الرئيس دونالد ترامب سياسةً جمركيةً متشددةً استهدفت ليس فقط منافسي أميركا، بل أيضاً العديدَ من أقرب أصدقائها. وكان عداؤه لكندا حاداً بصورة خاصة، ما أدى إلى أعمق شرخ في العلاقات الأميركية الكندية منذ أجيال. وطوال معظم القرن الـ20، كانت الدولتان شريكتين وثيقتين بصورة استثنائية. فقد خاضتا الحربين العالميتين معاً، ووقفتا جنباً إلى جنب طوال الحرب الباردة. ورغم شكوى بعض الرؤساء الأميركيين السابقين أحياناً من أن كندا لا تنفق ما يكفي على الدفاع، وأن أمنها يستفيد من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، فإن الرئيس ترامب هو الذي حوّل تقاسمَ الأعباء إلى شكوى سياسية يومية. بل ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ ألمح مراراً إلى أن كندا ينبغي أن تصبح الولايةَ الأميركية الـ51، ووصف رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو بأنه «حاكم» كندا. وفي أحدث نزاع بشأن الرسوم الجمركية، أصر ترامب حتى على إعادة تسمية بحيرة أونتاريو لتصبح «بحيرة أميركا».
وبالطبع فقد كانت النتائج متوقعة، حيث أسهمت هجماتُ ترامب في تغيير المشهد السياسي الكندي. وفي انتخابات أبريل 2025، فاز مارك كارني و«الحزب الليبرالي»، بعدما كانت استطلاعات الرأي قد أشارت سابقاً إلى أن المحافظين سيحققون فوزاً مريحاً. وكان كارني صريحاً في رفض مطالب ترامب، وقد انتقد بشدة ما اعتبَره «إساءات» إلى كندا. كما استجاب المستهلكون الكنديون، فخفّضوا مشترياتهم من السلع الأميركية.
والأكثر أهمية كان تراجع السياحة الكندية إلى الولايات المتحدة، ما ألحق الضرر بولايات قريبة مثل واشنطن وماين وميشيغان، وكذلك فلوريدا. وفي غرب ولاية نيويورك، تضررت منتجعات التزلج التي كانت تعتمد بشدة على الزوار الكنديين بصورة خاصة. كما بدأت كندا في الانفتاح والتطلع إلى الخارج. ففي ردها على الرسوم الجمركية الأميركية، سعت أوتاوا إلى إقامة علاقات اقتصادية أوثق مع دول من بينها الصين. وقد يكون مدى حكمة هذا التوجه على المدى الطويل محل جدال، لكنه على المدى القصير يُظهر تصميم كندا على تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. ومن الأمثلة اللافتة على ذلك تزايد انتشار السيارات الكهربائية الصينية منخفضة التكلفة، والتي تحظى بتقييمات جيدة، في السوق الكندية. وفي أنحاء أوروبا والعالم الغربي، تنامى الاستياءُ من السياسات الاقتصادية الأميركية الأحادية الجانب.
وأصبحت الدول الأوروبية أكثر اهتماماً بإقامة ترتيباتها الخاصة مع الصين وغيرها من الاقتصادات الآسيوية. وتواجه أميركا تحديات استراتيجية خطيرة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، وفي الوقت الذي تعمّق فيه تلك الدولُ تعاونَها الأمني والاقتصادي، تخاطر واشنطن بإضعاف شبكة الحلفاء التي كانت واحدة من أعظم مصادر قوتها. ويمكن فرض الرسوم الجمركية بأمر تنفيذي، لكن التحالفات تقوم على الثقة والمعاملة بالمثل والاحترام.
ولا تستطيع الولاياتُ المتحدة مواجهةَ خصومها بسهولة، أو تحقيق الاستقرار في مناطق مثل الشرق الأوسط، أو التصدي للمنافسة الجديدة في القطب الشمالي دون تعاون الدول التي وقفت إلى جانبها لأجيال. وإذا استنتج حلفاء أميركا أن واشنطن أقل جدارةً بالثقة، فإن العواقب تتجاوز مجرد نزاع حول الرسوم الجمركية أو اسم بحيرة بكثير. إذ يكمن الخطر في تحول تدريجي في ميزان القوى العالمي، يقل فيه عدد الشركاء الراغبين في التعاون مع واشنطن لأن حلفاءها أدركوا أنهم لم يعودوا يحظون بتقديرها.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست - واشنطن