في بيئة دولية تتزايد فيها الانقسامات والاستقطابات، تحمِل مراكز الفكر والدراسات مسؤولية متزايدة لخلق مساحات تهدف إلى جعل الحوار ممكناً ومستمراً، ولتتجاوز الحدود السياسية والجغرافية والانقسامات الثقافية. ومهمّة مجموعة تريندز في موسكو صوّرت كيف يمكن للأبحاث والنشر العلمي والشراكات المعرفية أن تحقق ذلك، وتخلق هذا النوع من المساحات تحديداً.

وفي قلب هذه المهمّة، أتت المشاركة الأولى لتريندز للبحوث والاستشارات في «معرض موسكو الدولي للكتاب» بمجموعة إصدارات معرفية يتقدَّمها إطلاقُ النسخة الروسية من كتاب «عصر اللؤلؤ: من الفقر إلى الازدهار»، ولم تقتصر مشاركة المركز الأولى على العرض فحسب، بل كان شريكاً معرفيّاً لهذا الحدث المهمّ في نسخته الـ39، ليرفع بذلك مستوى مشاركته من مجرد عارض إلى مشارك فاعل في جدول أعمال المعارض العلمية والثقافية.

كما عرض في جناحه في العاصمة الروسية العديدَ من الدراسات والكتب والإصدارات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، ودراسات الإسلام السياسي.

واستكملت مجموعة تريندز مهمّتها في العاصمة الروسية بالعديد من المحطات المهمّة، التي شملت إطلاق دراسة بعنوان «القوى المتوسّطة في عالم متعدّد الأقطاب»، وذلك بالشراكة مع «نادي فالداي للحوار»، في مقرّه بموسكو، حيث يُعدّ أحد أهم المنصّات والمؤسّسات الروسية والدولية للحوار، وتُعَدّ هذه الدراسة الثمرةَ الأولى للتعاون البحثي بين المؤسّستين، وتدرُس الدور المتنامي للقوى المتوسطة في النظام الدولي اليوم، وسعيها للاستقلال الاستراتيجي في عالم تشتدّ فيه المنافسة بين القوى العظمى.

كما أطلقت الذراع البحثية لمجموعة تريندز النسخةَ الروسية «مؤشر نفوذ جماعة الإخوان على المستوى الدولي 2025» بالشراكة مع «نادي فالداي»، هذه الخطوة التي تُبيِّن أن الدراسات التي تتعلق بالإشارة إلى خطورة هذه الجماعة الإرهابية يجب ألا تقف عند حدود النشر بلغة واحدة وفي إقليم واحد لجمهور واحد، بسبب الخطر الذي تشكّله هذه الجماعة، وما تحمله من أفكار متطرفة، لذلك يجب أن تترجَم دراساتها، وتُناقَش بمختلف اللغات، ليَتبَيّن خطرُها الأيديولوجي العابر للحدود، ولتقديم أدوات علمية رصينة تساعد الباحثين وصنّاع القرار على كشف هذه الظواهر وفهمها بعيداً عن الأحكام العامة والانطباعات المبدئية.

كما يجسّد إطلاق النسخة الروسية من «مؤشر نفوذ جماعة الإخوان» امتداداً للدور المهمّ، الذي تؤمِن به مجموعة تريندز، والذي يقوم على أن مسؤولية مواجهة الأفكار المتطرفة لا تقع على عاتق الدول أو المجتمعات فحسب، وذلك لأن الأفكار المتطرفة لا تقف عند الحدود الوطنية للدول والمجتمعات، ما يجعل من تبادل المنهجيات والدراسات العلمية بين المراكز الفكرية الدولية خطوة ضرورية ولَبِنة أساسية في بناء وعي وفهم مشترك أكثر دقّة لهذه الجماعة وأفكارها المتطرفة.

ومن ثم، اتّجهت مهمّة تريندز إلى توسيع شبكة شراكاتها مع المؤسّسات البحثية المرموقة في روسيا الاتحادية، عن طريق توقيع اتفاقيات تعاون وشراكات بحثية مع أهم وأعرق المعاهد الروسية، ومنها معهد بريماكوف للاقتصاد «IMEMO»، ومعهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم.

وتهدف هذه الاتفاقيات إلى تعزيز التعاون وتبادل الخبرات في مجالات البحث العلمي، والتحليل، وتقريب وجهات النظر لأهم القضايا التي يواجهها العالم اليوم.

من أبوظبي إلى موسكو، عكست مهمّة مجموعة تريندز المعرفية نموذجاً للتواصل الدولي بين المؤسّسات الفكرية، التي تقوم على مبدأ واضح، وهو أن المعرفة يجب ألا تقف حبيسة الحدود، بل عليها أن تنتقل وتنشر، وأن تصنع حواراً، وتبني شراكاتٍ وجسورَ فهمٍ، وتُسهم في تقارب المجتمعات.

*باحث رئيسي - نائب مدير عام تريندز للبحوث والاستشارات