مع الموجة الجديدة من العدوان الإيراني على الدول الخليجية والعربية، واستمرار القرصنة الإيرانية غير المشروعة في مضيق هرمز، يبدو من الضروري تقديم وقفة تقويم شاملة للعلاقات العربية الإيرانية في المدى المنظور، وأثرها على المعادلة الجيوسياسية الدولية الراهنة.

ليس من همّنا الرجوع إلى الخلفيات القديمة لهذه العلاقات، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن العصر الإسلامي الوسيط شهد تشكُّلَ منظومة اقتصادية وتجارية نشطة ما بين الجزيرة العربية والعالمين الفارسي والهندي، أدت فيها مملكة هرمز دوراً أساسياً استمر إلى عهد الغزو البرتغالي في القرن السادس عشر وما تلاه من حضور أوروبي في الخليج العربي والمحيط الهندي.

ومع استيلاء الدولة الصفوية (بمساعدة إنجليزية) على جزيرة هرمز في القرن السابع عشر، برزت بدايات الاستراتيجية الإيرانية الساعية إلى التحكم الانفرادي في المضيق، الذي هو عصب التجارة الشرقية المرتبط بموانئ البصرة (العراق) وجلفار (رأس الخيمة) ومسقط (عمان). وقد عملت الدولة القاجارية التي حكمت إيرانَ من نهاية القرن الثامن عشر إلى سنة 1925 على تطوير ميناء بندر عباس بديلاً لهرمز، في الوقت الذي عزّزت فيه بريطانيا سيطرتَها على المسالك البحرية في الخليج العربي.

وفي العصر البهلوي، أصبحت الاستراتيجية الإيرانية تتلخص في محاولة السيطرة الكاملة على المنافذ الجيوسياسية والتجارية الأساسية في الخليج العربي، وهو ما تمثّل في: احتلال شاه إيران الجزرَ الإماراتيةَ الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) في نوفمبر 1971 للتحكم في المدخل الغربي لمضيق هرمز، وتخلّي إيران انفرادياً عن معاهدة 1937 بخصوص شط العرب الذي يربط البصرةَ بالخليج العربي والمحيط الهندي، والضغط على السلطات العراقية من أجل تقاسم هذا المجرى المائي الأساسي، والمزاعم الإيرانية حيال البحرين، منذ سنة 1957، ومحاولة استهدافها بأساليب عديدة. لم تتغير الصورة بعد إعلان «الجمهورية الإسلامية» في طهران سنة 1979، وبقيت الأهداف الاستراتيجية ذات الصلة بالسيطرة على منافذ الخليج البحرية والتجارية قائمة.

ما حدث هو تحوّلان أساسيان: انتقال إيران من دور الوكيل الغربي الأساسي في المنطقة إلى استراتيجية «تصدير الثورة» وبناء شبكات مليشياتية طائفية في إطار مقاربة التمدد الجيوسياسي في المحيط الإقليمي، واتخاذ الجوار الخليجي والعربي مسرحاً للصراع غير المتكافئ مع القوى الدولية وبصفة خاصة الولايات المتحدة الأميركية.

ومع أن الدول الخليجية التي عانت كثيراً من السياسات العدوانية الإيرانية في العقود الماضية، حرصت على إقامة علاقات طبيعية مع طهران، وحاولت تجنيبَها مخاطرَ المواجهة مع الولايات المتحدة، إلا أن الاستراتيجية الإيرانية تمثّلت منذ أول أيام الحرب في تحويل المنشآت العسكرية والاقتصادية الخليجية إلى أهداف للرد على الهجوم الأميركي.

وبغضِّ النظر عن الآثار السلبية لهذه الاستراتيجية الخرقاء، والتي من شأنها تعميق الشرخ بين إيران وجوارها العربي، فإن التوجه الجيوسياسي لدول الخليج العربية غدا متركّزاً على هدفين أساسيين: الدفاع عن أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز، انسجاماً مع القانون الدولي ومصالح بلدان العالم كله، والبحث عن منافذ جديدة للحركة التجارية النفطية عبر مسالك المحيط الهندي والبحر الأحمر والممرات المؤمّنة إلى البحر المتوسط.

وفي تقرير لمعهد ماكنزي العالمي، بتاريخ 19 مارس 2026، نستنتج أن موقع الخليج العربي في حركة التجارة العالمية لم يتأثر بما يتم الحديث عنه من تراجع أهمية النفط والمعادن في التبادلات الدولية، ولا بالصعود الآسيوي الذي غيّر جذرياً معادلةَ القوة الاقتصادية في العالم، بل إن دول الخليج العربية (وبصفة خاصة دولة الإمارات) تأقلمت مع البنيات الاقتصادية الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي، ونقلت جانباً أساسياً من حيويتها التجارية إلى الأسواق الآسيوية الصاعدة.

تقرير ماكنزي يتحدث عن هندسة جديدة للتجارة الدولية تمتص صدمات الصراعات القائمة، من خلال استكشاف منافذ ومسالك وممرات غير مسبوقة، بما يفسر أهميةَ القنطرة الخليجية في أنماط التبادل الراهنة مع الهند وشرق آسيا، رغم بؤر الصراع المشتعلة في الإقليم.

لقد فشلت الاستراتيجية الإيرانية في عزل المجموعة الخليجية وتقويض عناصر قوّتها، ومن الواضح من المعطيات البديهية أن هذه الاستراتيجية الانتحارية ستؤدي في نهاية المطاف إلى إخراج إيران من المعادلة الإقليمية، دون أن تتضرر مصالح البلدان الخليجية التي نجحت في استكشاف الحلول الناجعة للبقاء في صدارة المنظومة الاقتصادية والتجارية العالمية.

*أكاديمي موريتاني