يشعر «الديمقراطيون» في مجلس النواب وقياداتهم بحالة من الغضب الشديد؛ لأن اثنين من أكثر أعضاء كتلتهم اعتدالاً تجرآ على عدم وضع الحزب ووحدة الحزب فوق مصالح ناخبيهم. يا لها من جريمة! النائبان «المنشقان»، جاريد غولدن عن ولاية مين، وماري غلوسينكامب بيريز عن ولاية واشنطن، تحديا الأعراف الحزبية، وقدّما الأصوات اللازمة لتمرير قاعدة إجرائية أتاحت لقيادة «الجمهوريين» طرح حزمة من مشاريع القوانين على جدول أعمال مجلس النواب.
وضمت الحزمة قرارين عديمي القيمة التشريعية لكنهما مشحونان سياسياً، ويهدفان إلى إحراج «الديمقراطيين»، ودفعهم إلى اتخاذ مواقف بشأن الاشتراكية والأنشطة المناهضة لإسرائيل في حرم الجامعات، وهي مناورات حزبية باتت تستهلك جانباً كبيراً من أسبوع العمل في الكونجرس. كما تضمنت الحزمة مشروع قانون يحظى بدعم الحزبين لتأجيل تطبيق لوائح حماية الحيتان، وهي لوائح تهدد مصادر رزق صيادي جراد البحر في شمال شرق البلاد، ومن بينهم الصيادون في دائرة غولدن الانتخابية. ومن المتعارف عليه أن يصوّت أعضاء حزب الأغلبية لصالح مثل هذه القواعد الإجرائية، بينما يصوت أعضاء الأقلية ضدها.
لكن في السنوات الأخيرة، دأب «الجمهوريون» من أقصى اليمين على تعطيل عمل مجلس النواب مراراً، برفضهم دعم تلك القواعد إلى أن توافق قيادة الحزب «الجمهوري» على تعديل التشريعات الأساسية بما يتوافق مع مطالبهم. وعندما هدد عدد من «الجمهوريين» بتكرار هذا الأمر مجدداً هذا الأسبوع، تدخل غولدن وغلوسينكامب بيريز، في ممارسة ذكية من أساليب المساومة السياسية التقليدية، وقدّما الأصوات اللازمة لتمرير القاعدة؛ لأن حزمة التشريعات تضمنت مشروع قانون حماية صناعة صيد الحيتان، أو بالأحرى مشروع القانون المتعلق بالحيتان الذي يخدم مصالح صيادي جراد البحر.
وأثار ذلك غضب «الديمقراطيين» لأسباب عدة: أولاً، طُرح اثنان من مشاريع القوانين المتعلقان بالاشتراكية وإسرائيل، فقط بهدف إجبار أعضاء الحزب الذين يخوضون انتخابات صعبة على الإدلاء بأصوات قد تكون محفوفة بالمخاطر سياسياً، وذلك قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي. وفوق ذلك، عارضت جماعات بيئية بشدة مشروع قانون الحيتان الذي يدعمه غولدن، وهي جماعات تضم بين أعضائها ومؤيديها عدداً كبيراً من كبار المتبرعين للحزب «الديمقراطي».
لكن ربما كان السبب الأهم هو أن قيادة «الديمقراطيين» في مجلس النواب، هكيم جيفريز وكاثرين كلارك، تشعر بالقلق من احتمال استعادة الحزب للأغلبية هذا الخريف. وفي مقابل هذه الحرية في تمثيل ناخبيهم بالطريقة التي يرونها مناسبة، وافق الأعضاء على أن تترك قيادة الحزب لها إدارة العملية التشريعية المعقدة، وأن يصوتوا بصورة وفية لخط الحزب في القواعد الإجرائية والمسائل التنظيمية الأخرى، حتى إذا كانوا يختلفون معها بشأن السياسات الأساسية المطروحة.
لكن هذه الصفقة الضمنية لم تعد موجودة. ففي الوقت الراهن، تصر قيادات الحزبين على عدم السماح بمناقشة أي تشريع داخل اللجان أو طرحه على أرضية مجلس النواب إذا كان من شأنه أن يكشف عن انقسامات داخل الكتلة الحزبية، بما يقوض الوحدة المطلوبة لسحق حزب معارض يُنظر إليه باعتباره تهديداً وجودياً لأميركا.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن
ستيفن بيرلشتاين *
* أستاذ الشؤون العامة في جامعة جورج ماسون