في إحدى ليالي الصيف الحالي تعرضت العاصمة الأوكرانية كييف لهجوم روسي واسع بالصواريخ الباليستية، ما دفع مئات ركاب القطارات، وبينهم أسر وأطفال، إلى الاحتماء داخل محطة للقطارات تحت الأرض حتى تنتهي الهجمات. وتعكس تلك الهجمات تحولاً متزايداً في طبيعة الحرب، مع تحسن قدرة روسيا على خوضها وتوسيع إنتاجها العسكري، ما يجعل وضع أوكرانيا أكثر إثارة للقلق مقارنة بالسنوات الأولى للأزمة.
لقد أصبحت روسيا أكثر كفاءة بكثير في خوض الصراع، وعلى واشنطن أن تدرك أن موسكو تتجه نحو استراتيجية حرب شاملة، حيث تحشد مصانعها وقواها البشرية لإجبار أوكرانيا على الخضوع عبر القصف المكثف. وتتطلب هزيمة روسيا الآن أكثر من مجرد نقل الأسلحة، إذ ستحتاج أوكرانيا إلى أن يحشد الغرب موارده الجماعية للتفوق على إنتاج روسيا والصمود أمامها.
وكان أعظم تفوق لأوكرانيا خلال فترات الصراع هو قدرتها على التكيف والابتكار. فرغم امتلاك روسيا جنوداً وأموالاً وقاعدة صناعية أكبر بكثير، كان المهندسون الأوكرانيون يطورون أسلحة ومنظومات جديدة ويختبرونها ويعدلونها خلال أسابيع. وكانت شبكات الجنود والمهندسين وشركات تكنولوجيا الدفاع الأوكرانية أسرع في التطوير من البيروقراطية العسكرية الروسية الثقيلة.
غير أن هذه الميزة تتضاءل بسرعة. فعندما طورت أوكرانيا صواريخ اعتراضية قادرة على تدمير أسراب الطائرات المسيرة الروسية من طراز «شاهد»، تكيفت روسيا ونشرت نسخاً أسرع تعمل بمحركات نفاثة، وهي أصعب بكثير في عملية الاعتراض. كما تعكف روسيا حالياً على نشر كوكبة من الأقمار الصناعية لمنافسة نظام «ستارلينك» الذي تستخدمه وحدات الطائرات المسيرة الأوكرانية لضرب القوات الروسية في المناطق المحتلة من أوكرانيا. وبدلاً من اعتماد استراتيجية الكرملين على مواجهة الابتكار الأوكراني بالثقل الصناعي الهائل لسنوات، باتت تدمج هذا الثقل مع ابتكاراتها الخاصة.
وكانت أوكرانيا ساحة معركة غير متوقعة عند بداية الحرب، إذ يجلس القادة في منشآت تحت الأرض ويراقبون أجهزة الاستشعار، بينما تنفذ آلاف المركبات غير المأهولة عمليات الاستطلاع ونقل الإمدادات ومطاردة الجنود والمركبات. وأصبح التحرك فوق الأرض شبه انتحاري، إذ تقع 80% من الخسائر الأوكرانية أثناء انتقال القوات بين المواقع، فيما يبقى بعض الجنود تحت الأرض لأشهر بسبب خطورة الظهور في العراء.
ومع ذلك، فالحرب ليست جامدة، بل تشهد أسرع منافسة تكنولوجية على الإطلاق. فقد تكون الطائرة المسيّرة فعالة عند إدخالها إلى المعركة ثم تصبح عديمة الجدوى خلال أشهر، بعدما يغير العدو ترددات الاتصال أو يستخدم أجهزة التشويش أو يطور صواريخ اعتراضية أسرع أو يعدل تكتيكاته. ثم تبدأ دورة التكيف من جديد.
وتمضي أوكرانيا قُدماً في الابتكار، لكن هذا الأخير لا يستطيع وحده حل مشكلة توسيع الإنتاج لتلبية احتياجات الحرب الشاملة عالية الكثافة. ويعرف القادة ما يحتاجون إليه لوقف الروس، لكنهم يفتقرون إلى المنظومات اللازمة. وقال أحد القادة إن وحدته توقفت عن البحث عن أهداف جديدة لأنها لا تملك طائرات مسيرة كافية لضرب جميع الأهداف التي حددتها بالفعل. فإنتاج مئات الطائرات المسيّرة المتطورة أمر مهم، لكن إنتاج مئات الآلاف من الطائرات الجيدة هو ما سيغير مسار الحرب.
وتحشد روسيا قواها لحرب شاملة، فهي تدرس إجراء تعبئة عسكرية واسعة تتوقع أوكرانيا حدوثها في الخريف، وتعمل على بناء قدرات صناعية لإنتاج الأسلحة بكميات هائلة. ولا يمكن لأوكرانيا مجاراة هذه القدرات بمفردها. سيكون الشتاء المقبل حاسماً، إذ تستغل روسيا بالفعل افتقار أوكرانيا لأنظمة الدفاع ضد الصواريخ الباليستية لضرب محطات توليد الكهرباء ومحطات التحويل، لإغراق الشعب الأوكراني في الظلام والبرد والمعاناة.
وتمتلك أوكرانيا المهندسين والإرادة وروح الابتكار، لكنها تفتقر إلى القدرة الصناعية اللازمة لحرب شاملة. وتحتاج بصورة عاجلة إلى صواريخ اعتراضية وذخائر وأسلحة بعيدة المدى، واستثمارات لتوسيع إنتاجها المحلي. بينما ينبغي للغرب اعتبار صناعة الدفاع الأوكرانية امتداداً لصناعته، والإنتاج معها بصورة مشتركة، وإزالة اختناقات الإمداد، وضمان ألا يضطر القادة الأوكرانيون إلى تقنين أهدافهم بسبب نقص الأسلحة.
ويعمل الجيش الأوكراني، الذي يتمتع بخبرة قتالية هائلة، على صياغة مستقبل الحرب على خط المواجهة بصفة يومية. ومن خلال الاندماج بشكل أوثق معهم، تستطيع الجيوش الغربية أن تساعد في دعم أوكرانيا، واستيعاب الدروس الحاسمة التي اكتسبتها بشق الأنفس من الحرب الحديثة، وتعزيز النظام الدولي ضد التهديدات التي ستحدد العقود المقبلة.

وعلى مدى أكثر من أربع سنوات، تلقت أوكرانيا ضربات كان من شأنها أن تحطم العديد من البلدان، لكن الإشادة بقدرة أوكرانيا على الصمود لا تشكل استراتيجية، ولا يمكن للشجاعة وحدها أن تدافع عن مدنها أو تكسب حربها. لقد اشترت أوكرانيا للغرب أربع سنوات بدماء جنودها وبراعة مهندسيها. ولا يمكننا أن نتركها تواجه شتاءً آخر بمفردها تحت القصف الروسي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
 *الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة السابق لشركة «جوجل»، ويرأس حالياً «مشروع الدراسات التنافسية الخاصة».