سألني أحد الأصدقاء سؤالاً بدا بسيطاً في عبارته، ثقيلاً في معناه: ما الذي يحدث في العالم، وإلى أين يتجه؟ لم أعرف بماذا أجيبه. صَمتُّ للحظات، وشردتُ أتأمل خريطة العالم وما يشتعل فوقها من صراعات، ثم قلت له: فاجأتني بالسؤال، فدعنا نفكر معاً. كان أول ما خطر في ذهني: أعتقد أننا نعيش الحرب العالمية الثالثة.
بدأت أستعرض أمامه المشهد: حرب في أوروبا، وصراعات في الشرق الأوسط، وتوتر في آسيا، ومواجهة بين القوى الكبرى، وسباق تسلح، وتهديدات نووية، وحروب بالوكالة، وعقوبات اقتصادية وهجمات سيبرانية. ظل يستمع إليّ، ثم نظر إليّ وقال: والله إنني أتفق معك.
ولكن هل يكفي تعدد الصراعات حتى نعلن أننا نعيش حرباً عالمية ثالثة؟
وفق تصنيف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كان هناك نحو 130 نزاعاً مسلحاً نشطاً مع بداية عام 2026، أي أكثر من ضعف عددها قبل خمسة عشر عاماً. وأعلن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، في أبريل 2026، أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.887 تريليون دولار خلال عام 2025، بالتزامن مع تزايد الاعتماد على السلاح النووي وارتفاع مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
وهناك من يرى أن وصف هذا الواقع بأنه حرب عالمية يحمل قدراً من المبالغة، فلا توجد مواجهة عسكرية مباشرة بين جميع القوى الكبرى، ولا تقارن أعداد الضحايا حتى الآن بما شهده العالم في أربعينيات القرن الماضي. وهذا اعتراض مفهوم إذا قسنا الحرب الجديدة بمعايير الحرب القديمة.
لكن الحرب لا تصبح عالمية فقط عندما تتواجه الجيوش في جبهة واحدة، بل عندما تتداخل الصراعات، وتتشابك مصالح القوى الكبرى، ولا تبقى نتائج أي مواجهة محصورة داخل حدودها. ووفق هذا المفهوم، فنحن لا نعيش حرباً عالمية ثالثة بصورتها الكلاسيكية، وإنما نعيش حرباً عالمية موزعة، جبهاتها متباعدة، لكنها مترابطة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. وهكذا، فإن هذه الأرقام لا تصف عالماً يستعد للحرب فحسب، بل عالماً يعيش أجزاءً متعددة منها.
الحرب في أوكرانيا جزء من المواجهة بين روسيا والغرب، والتوتر في آسيا مرتبط بالتنافس الأميركي–الصيني، وما يجري في الشرق الأوسط تجاوز حدوده الإقليمية وأصبح متصلاً بأمن الطاقة والملاحة الدولية. وقد أثبتت الهجمات في البحر الأحمر أن تهديد ممر بحري واحد قادر على تغيير مسارات السفن، ورفع تكاليف التأمين والنقل، وتأخير وصول السلع إلى دول تبعد آلاف الكيلومترات عن ميدان القتال.
ولم تعد الحرب الجديدة تحتاج إلى احتلال العواصم. فقد تُشلّ شبكة كهرباء، أو يُخترق نظام مالي، أو تُستهدف منشأة حيوية بطائرة مسيّرة منخفضة التكلفة، أو تُضلَّل مجتمعات كاملة عبر الفضاء الإعلامي. وهكذا أصبحت التكنولوجيا والاقتصاد والمعلومات ميادين قتال لا تقل تأثيراً عن البر والبحر والجو.
ومن واقع التجربة العسكرية، تعلمت أن الخطر يزداد كلما ضاقت المسافة بين الرصد والقرار والرد. ففي قمرة القيادة، قد تفصل ثوانٍ قليلة بين قراءة التهديد واتخاذ القرار، وأي تقدير خاطئ في تلك اللحظة قد يغيّر مسار المهمة بأكملها. وما ينطبق على الطائرة ينطبق، بصورة أخطر، على الدول حين تتواجه بالصواريخ والمسيّرات والأسلحة النووية.
لذلك فإن أخطر الحروب ليست بالضرورة تلك التي يقرر القادة إشعالها، بل التي تبدأ بقراءة خاطئة لنوايا الخصم، أو رد يتجاوز الغاية منه، أو قرار ميداني محدود يفرض رداً أوسع. وفي عالم اختصرت فيه التكنولوجيا زمن القرار، قد لا يجد القادة الوقت الكافي لإيقاف التصعيد قبل خروجه عن السيطرة.
إذن، ليست هذه حرباً عالمية مكتملة بالمعنى التاريخي، لكنها حالة صراع عالمي شامل تُدار تحت السقف النووي. وهذا قد يجعلها أطول وأشد تعقيداً، فلا إعلان يحدد بدايتها، ولا جبهة واحدة يمكن إغلاقها، ولا استسلام يضع نهايتها، ولا معاهدة سلام تعيد العالم إلى ما كان عليه.
والأرجح أننا نتجه إلى مرحلة من الفوضى المنضبطة: لا سلام حقيقياً ولا حرباً شاملة، بل أزمات تُحتوى مؤقتاً ثم تعود في مكان آخر، حتى يقع الخطأ الذي يعجز الجميع عن احتوائه.
وفي هذه الحرب الموزّعة، لا تقع منطقة الخليج على هامش الصراع، بل في نقطة التقاء جبهاته. فمن خلالها تمر الطاقة والتجارة، وفي محيطها تقع مضائق وممرات حيوية، وفوق أراضيها ومياهها تتقاطع مصالح القوى الدولية. ولذلك فإن أي اضطراب فيها لا يبقى خليجياً، كما أن أي مواجهة بين القوى الكبرى لا تبقى بعيدة عنها.
عندما سألني صديقي إلى أين يتجه العالم، لم أجد جواباً سريعاً. أما الآن فأقول: العالم لا يتجه نحو الحرب العالمية الثالثة، إنه يعيش بالفعل مقدماتها وجزءاً كبيراً من أدواتها، ولكن في صورة حرب عالمية موزّعة. ويبقى السؤال الأخطر: هل يستطيع إبقاءها موزّعة، أم أن خطأ واحداً في الحسابات سيجمع جبهاتها في حرب لا يستطيع أحد التحكم في نهايتها؟
*لواء ركن طيار متقاعد.