منذ سنوات طويلة، لم يَعُد معرض الكتاب مجرد سوق للكتب أو مناسبة لالتقاء دور النشر بالقراء، فقد تطور، عبر خمسة وثلاثين عاماً، إلى مشروع ثقافي متكامل، تتقاطع فيه صناعة الكتاب مع الترجمة، والأدب مع الفكر، والفنون مع التكنولوجيا، والذاكرة المحلية مع الثقافات العالمية، على النحو الذي يجعله صاحب دور ريادي في تطوير مفهوم معارض الكتاب في العالم، ويفسر الاهتمام الكبير به، لا على المستويين المحلي والعربي فحسب، بل إنه يصبح محط الأنظار في العالم، بحكم المكانة التي تحتلها الدولة، وضخامة منجزها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري.
وليس من شكٍّ في أن انعقاد المعرض في دورته الخامسة والثلاثين تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حافل بالدلالات، إذ يعكس إيمان القيادة الرشيدة للدولة، في أعلى مستوياتها، بأن الثقافة ليست ترفاً يضاف إلى مسيرة التنمية، وإنما واحدة من القوى التي تصنع التنمية ذاتها، وتمنحها بُعدها الإنساني والحضاري، وهو ما عبّر عنه بجلاء وشمول صاحب السمو رئيس الدولة في قوله، حفظه الله، إن «العلم والثقافة جزء لا يتجزأ من إرثنا الحضاري، ومن العملية التنموية، ومن بناء الإنسان والهوية المنفتحة الواثقة من نفسها دون أن تتنكر لقيمها وأصالتها وتراثها».
وينعكس وضوح رؤية القيادة في وضوح رؤية المعرض وأهدافه، ويمنح كل فعالياته وأنشطته الانسجام والتكامل المطلوبين، على النحو الذي عبّر عنه معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، بقوله إن معرض أبوظبي الدولي للكتاب يجسّد رؤية أبوظبي في الاستثمار بالثقافة والمعرفة باعتبارهما ركيزتين للتنمية الشاملة، ومحرّكين لبناء اقتصاد المعرفة وتعزيز التقارب بين الشعوب.
ولا تُمثّل عبارة «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم» التي اختيرت لتكون شعاراً للمعرض مجرد عبارة إنشائية، أو هدف مستقبلي، لأن الإمارات، بالفعل، تقلب الصفحات التي لا فائدة من قراءتها، وتترك وراء ظهرها ما ينبغي أن يُترك، وتقرأ العالم منذ تأسيسها بوعي وانفتاح وتقدير لكل الأفكار التي تصبُّ في صالح التقدم والتنمية والتقارب والتعايش والازدهار، وتختار مما تقرأ ما يناسبها من كل الثقافات والحضارات، في إطار اعتزاز بشخصيتها الوطنية، وموروثها الحضاري العربي والإسلامي، وفيما تقرأ الإمارات العالم، يقرؤها العالم كذلك، ويتابع تجربتها الملهمة في البناء والتنمية، ودورها العالمي في صنع السلام والتقارب بين الثقافات والحضارات، ويتعلم منها الكثير.
وإذ تنعقد هذه الدورة من المعرض بمشاركة عارضين من 95 دولة، وتُنظم خلالها نحو 1500 فعالية، فإنها تواصل احتفاءها بالرموز الثقافية العالمية الكبرى، من خلال اختيار ثقافة منطقة البلقان لتكون ضيف الشرف، والعالم العربي الفذّ الخليل بن أحمد الفراهيدي، واضع علم العروض العربي، ومؤلف أول معجم عربي، شخصية الدورة الحالية، ورواية «دون كيخوته» كتاباً للعالم. وبذلك يواصل المعرض رسالته في اختيار منطقة جديدة من العالم لإلقاء الضوء على ثقافتها، وإتاحة الفرصة للتعرف عليها وإجراء حوار معها، وفي تعريف العالم بإنجازات العلماء العرب الكبار في مراحل مختلفة من التاريخ، وإحياء قيم إنسانية كبرى من خلال «كتاب العالم»، ولا يخلو من دلالة أن رواية «دون كيخوته» درّة الثقافة الإسبانية التي تُرجمت إلى كل لغات العالم تقريباً، واستوحاها آلاف المبدعين من مختلف الدول والثقافات، تحمل بصمات عربية أكدّتها دراسات أكاديمية مهمة، لتكون الرواية نموذجاً للحوار والتبادل الثقافي بين الحضارات.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن «ثقافة الكاريبي» كانت ضيف الشرف في الدورة الماضية عام 2025، لتنقل إلى العالم العربي والعالم أيضاً صورة عن ثقافة هذه المنطقة التي بقيت بعيدة عن دائرة الضوء، وكان العالم العربي الموسوعي الكبير ابن سينا، شخصية للمعرض، بما له من امتداد وتأثير في الثقافتين العربية والغربية، وشمولية معرفته وأصالتها، كما كان اختيار «ألف ليلة وليلة» كتاباً للعالم، يعود إلى تجسيده عبقرية الخيال الإبداعي الذي أنتجته الحضارة العربية الإسلامية، وتأثيره الكبير في مفكري الغرب ومبدعيه وفلاسفته بمجرد ترجمته إلى اللغات الأوروبية المختلفة.
إن الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب لا تأتي بوصفها دورة جديدة في سلسلة طويلة بدأت عام 1981 فحسب، وإنما بوصفها تعبيراً عن نضج مشروع ثقافي أصبح له حضوره وتأثيره، وعن رؤية ترى في الثقافة أداةً للتنمية والتواصل والحوار بين الشعوب. ومن هنا تبدو الإمارات، وهي تفتح صفحات العالم أمام قرائها، حريصة في الوقت نفسه على أن تفتح للعالم صفحات تجربتها ومنجزها وهويتها وثقافتها، ليغدو المعرض فضاءً يلتقي فيه العالم، ويتحاور ويتفاهم ويتقارب.
*كاتب إماراتي