تأتي زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا، وما رافقها من إعلان نية الإمارات استثمار أربعين مليار يورو في عدد من القطاعات الحيوية، في لحظة لم تعد فيها العلاقات الاقتصادية الكبرى تُقاس بحجم التجارة والتدفقات الاستثمارية وحدهما، بل بقدرة الدول على تحويل رأس المال إلى معرفة، والمعرفة إلى قدرة صناعية، والقدرة الصناعية إلى موقع مؤثر داخل الاقتصاد العالمي. وتزداد دلالة الإعلان مع تخصيص عشرة مليارات من الحزمة لولاية بافاريا، وتوقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين شركات البلدين، بما يجعلنا أمام مسار طويل للتنفيذ لا أمام صفقة واحدة مكتملة الشروط.
تملك ألمانيا قاعدة صناعية وهندسية وبحثية متقدمة، وجامعات ومختبرات وشركات راكمت معرفة وحضوراً في سلاسل القيمة العالمية. وتملك الإمارات رأس المال والطاقة والبنية التحتية، وسرعة القرار والوصول إلى أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا. لكنها ليست مجرد مصدر تمويل، إنها شريك يختار ما يخدم مستقبله.
أقول ذلك من تجربة استثمارية امتدت خمسة عشر عاماً في ألمانيا، فهناك لا تعني الملكية السيطرة بالضرورة، إذ تتوزع السلطة، بحسب الكيان، بين الإدارة ومجلس الإشراف والمساهمين وممثلي العاملين، أو الجمعيات والأعضاء والهيئات المحلية والمهنية؛ لذلك ينبغي تحديد صلاحيات تعيين الإدارة، والوصول إلى المعلومات، والاعتراض، والأغلبيات الخاصة، والجهات القادرة على تعطيل الاستراتيجية، قبل الالتزام بالتمويل. حجم الحصة لا يكفي إذا لم تمنح حقوقاً تحمي صاحبها من المخاطر التي يتحملها.
ومن يشتري شركة يدخل أيضاً منظومة تمنح مجالس العمال والنقابات حقوقاً في المعلومات والتشاور وبعض قرارات إعادة الهيكلة وظروف العمل. هذه الموازنة بين رأس المال والعمل جزء من استقرار النموذج الألماني، لكنها تؤثر في الكلفة والجدول الزمني، كما يحتاج المستثمر إلى اتصال مؤسسي شفاف، يوثق مساهماته والتزاماته، ويشرح موقفه بلغة البيئة المحلية.
أما استقلال القضاء الألماني، فيعني أن العلاقات السياسية لا تحسم النزاع، المرجع هو العقد والقانون والأدلة، وقد يستغرق التقاضي سنوات مكلفة، وفي الإعسار تتسع صلاحيات مدير الإعسار، ولا ينفرد المستثمر أو الدائن الأكبر بالقرار. لهذا يجب حسم القانون الحاكم واللغة ذات الحجية والاختصاص وآليات فض النزاع، والتحكيم المحايد، حيث يكون مناسباً وقابلاً للتنفيذ، ومعالجة التعثر والخروج وتقييم الحصص وتغير القوانين، العقد الجيد يُختبر عندما تختلف المصالح، لا يوم التوقيع.
هذه الشروط تساعد على اغتنام الفرصة، فمنافسة الصين في السيارات، والتحول المكلف إلى المركبات الكهربائية، وضغوط الصناعات الكيماوية وكثيفة الطاقة، وتأخر تحديث السكك والجسور والشبكات والرقمنة، تزيد حاجة ألمانيا إلى شركاء يمولون التحول ويفتحون الأسواق، وهذا يمنح الإمارات مجالاً للتفاوض على مشاركة معرفية وصناعية تتجاوز شراء أصل جيد.
لكن نقل التقنية ليس نتيجة تلقائية لضخ المال، ويمكن فهم التحفظ الألماني في ضوء التجربة الصينية، فالمشروعات المشتركة وتبادل الخبرات أسهما في تنمية قدرات شركات أصبحت منافسة، المطلوب تعاون يجعل البحث المشترك، وتوطين المعرفة، وتوسيع الأسواق منفعة متبادلة، ويحمي الملكية الفكرية والحقوق التجارية.
ينبغي أن تتضمن الأهداف مراكز بحث وتطوير داخل الإمارات، وتدريب الكفاءات، وشركات مشتركة بحقوق قرار وتمثيل مؤثر في مجالس الإشراف، وربط شركاتنا الصغيرة والمتوسطة بسلاسل الصناعة الألمانية، ودخول السوق الأوروبية، وبناء تصنيع وتوريد يخدمان الإمارات وأسواقها الإقليمية والدولية. وتُدار الحزمة كمحفظة استراتيجية موزعة المخاطر بين الولايات والقطاعات، تربط التمويل بالإنجاز ونقل المعرفة، وتقيس نصيب الإمارات من البحث وبراءات الاختراع والوظائف النوعية والأسواق والقرار، بمتابعة جهة إماراتية موحدة.
لن يُقاس نجاح الأربعين مليار يورو بما وُقّع خلال أيام الزيارة فقط، بل أيضاً بالعائد الاستراتيجي على بلدنا، والتقنيات التي توطنت والصناعات التي بُنيت والأسواق التي دخلناها. لندخل الشراكة بثقة واحترام، وبمعيار واضح للنجاح هو ما تضيفه إلى قدرتنا الاقتصادية والتكنولوجية.
*كاتب إماراتي