ضِمن مشاركته في الكتاب الأخير الذي نشره بالاشتراك مع ماسيمو كاشياري بعنوان «الفوضى» (أو الخراب kaos)، يتحدث الفيلسوف الإيطالي المعروف روبرتو سبوزيتو عن ثنائية «الجيوبولتيكا والميتافيزيقا»، وهما مفهومان يختلفان عادة من حيث السياقات الدلالية والنظرية. وفي هذه المشاركة المتميزة يرفض سبوزيتو التصورَ المؤسسي العقلاني السائد للعلاقات الدولية وفق النماذج العقلانية (تصرفات الفاعلين وفق منطق المصلحة الموضوعية والمنفعة القطعية)، معتبِراً أن السياسة ليست على الدوام تفكيراً منسجماً متماسكاً، بل تتلبس بالأهواء والرغبات والخوف والتخيل والقوة، كما بين ذوو الاتجاه الواقعي في الدراسات السياسية والاستراتيجية (ومن آخرهم وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر).
في هذه الزاوية، يرجع سبوزيتو بوضوح إلى تمييز عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الشهير بين أخلاق القناعة (المتعلقة بالسلوك الفردي) وأخلاق المسؤولية (المتعلقة بالشأن العام)، مبيناً أن المنظور المعياري المحض للسياسة يؤدي إلى التصادم والعداء والحيلولة دون التسويات التوافقية الضرورية في أي عمل بشري جماعي. ومن ثم أمكن اعتبار الفعل السياسي مأساوياً، لكونه يتحدد دوماً وقف أقطاب متعارضة، مثل الأمن والحرية، والنظام والحرية، والهوية والاختلاف.. إلخ. وإذا كان الواقع السياسي يتسم دوماً بهذه الصبغة التراجيدية، فهو اليوم يشهد أعلى مستويات المأساوية، ببروز أنماط شاملة من الفوضى، تعني نهاية عالم من الماضي في الوقت الذي لم تتشكل بعد قسمات ومعالم الوضع الدولي الجديد.
إلا أن سبوزيتو ليس عالماً سياسياً أو باحثاً في العلاقات الدولية؛ ولذلك عندما يتناول أزمة النظام العالمي الحالي يقف عند الجوانب الفلسفية المتعلقة بمفاهيمَ جيبولوتيكية محورية مثل المجال الإقليمي والسلطة والنظام والصراع. فالعلوم الاستراتيجية تفترض دوماً، حسب سبوزيتو، نوعاً من ميتافيزيقا المكان والسلطة. في العصر السابق، كان الزمن هو محور الفعل السياسي، وذلك ما سماه الفيلسوف الماركسي الفرنسي لويس التوسير «التحرك في قارة التاريخ»، ويعني به صياغة العمل السياسي وفق أهداف التغيير الجذري والحركة الثورية الراديكالية، أما اليوم فأصبح المكان هو قلب منظومة السياسة المعولمة إلى حد أن التاريخ غدا مجسداً في مجالات إقليمية محددة.
في الصراعات السياسية الراهنة، يحتل المكان قلبَ المعادلة الأيديولوجية والعملية، ومن هنا الإشكالات ذات الصلة بالهجرة والاتصال والشبكات المالية والطاقية والبنيات التحتية، أي سبل وضوابط التحكم في ديناميكيات المكان.
والنتيجة الأساسية للمعادلة الحالية هي ما سماه المؤلفان «الحرب الأهلية العالمية» القائمة في الوقت الحاضر، وهي ليست ضرباً من المواجهة الكلاسيكية، بل انبثاق حالة جبوسياسية انتفى فيها التمييز المألوف بين الحرب والسلم، الداخل والخارج، المجتمع الأهلي والمجتمع السياسي.. إلخ. وقد ضاعفت التقنياتُ الرقمية الجديدة هذه الوضعية التصادمية الشاملة، إلى حد انبثاق السؤال المشروع: مَن يحكم العالم اليوم؟ هل هو الدول أم المنصات الرقمية أم الأسواق المالية؟
ما يستوقفنا في أطروحة سبوزيتو التي لخصناها في خطوطها العامة هو هذا الربط بين السياسة والميتافيزيقا، الذي يتعارض مع نهجين سائدين في الدراسات السياسية والاستراتيجية المعاصرة: التصور القانوني المؤسسي، الذي هو لب المنظومة الليبرالية الحديثة في مقاربتها التعاقدية التوافقية التي تفضي إلى سلب الظاهرة السياسية خصوصيتَها واختزالها في الجوانب الإجرائية العملية المنظِّمة لسيرورة الدولة (الدولة الإدارية أو الدولة القانونية)، ثم التصور الثوري الراديكالي الذي ينيط بالسياسة مهمةً طوبائية مستحيلة مثل تحقيق العدل المطلق أو المساواة الشاملة أو الحرية غير المقيدة.
المنظور الميتافيزيقي يعيد السياسةَ الى حقل التأمل الفلسفي، أي التفكير في نوازع النفس وتوجهات الجمهور وظاهرة السلطة والقوة.. وهي جوانب لا تظهر عادةً إلا في أوقات الفوضى واللانظام، كما هو حال العالم اليوم.
عندما دخلت الديمقراطية اليونانية في أزمة حادة، كتب أفلاطون جمهوريتَه التي تناول فيها سؤالَ العدالة من منظور انتربولوجي وجودي (نظام الوجود في انطباقه داخل المدينة)، وعندما دخلت الحضارة العربية الإسلامية في منعرج التراجع التاريخي، كتب ابن خلدون مقدمتَه مستكشفاً رهانات العصبية والعقيدة في البناء السياسي. وبنفس المنهج نقرأ أعمال ماكيافيلي وهوبز ولوك التي تترجم أزمةَ الدولة الإمبراطورية الوسيطة والانتقال الأوروبي إلى الدولة السيادية الحديثة.
في الأزمة الراهنة، لم تعد المقولات السياسية التقليدية، مثل السيادة الإقليمية والإجماع المدني وتوازن القوة.. إلخ، كافية لقراءة الوضع القائم، كما أن النظر إلى الفوضى السائدة، من حيث هي خراب عدمي، يشي بعجز فادح عن قراءة التشكّلات الاستقطابية والحدية للعالم المنظور.
*أكاديمي موريتاني