يمثل ملف الإسلام السياسي، بتنظيماته وشبكاته العابرة للقارات أحد أكثر الملفات تعقيداً في الفضاء الأوروبي. لما يطرحه من تقاطعات بين قضايا الأمن، وصناعة السياسات العامة، والاندماج الاجتماعي، وحرية المعتقد. وفي هذا السياق، شكّلت النسخة السادسة من منتدى تريندز السنوي حول الإسلام السياسي محطة بحثية وفكرية بارزة، إذ امتدت فعالياتها بين لندن وباريس، وذلك بمشاركة نخبة كبيرة من البرلمانيين، والأكاديميين، والباحثين، والخبراء.
ولم يكن اختيار العاصمتين البريطانية والفرنسية مجرد مكان لانعقاد المؤتمر، لكنه عكس الطبيعة العابرة للحدود لقضايا الإسلام السياسي، والحاجة إلى تعاون دولي يجمع بين البحث العلمي وصناعة السياسات والتشريعات الوقائية. انطلقت الجلسات من مجلس اللوردات البريطاني في لندن، ثم انتقلت إلى مجلس الشيوخ الفرنسي في قصر لوكسمبورغ بباريس. وقد أتاح هذا الامتداد الجغرافي دلالة مهمة، نظراً إلى مقاربة بين تجربتين أوروبيتين تختلفان في أطرهما القانونية والسياسية.
لكنهما تشتركان في مواجهة تحديات، مثل قضايا الاندماج والمواطنة والتطرف والتعددية الدينية. تمحور المنتدى من خلال عدد من الجلسات تمت من خلالها مناقشة الأبعاد الفكرية والأيديولوجية لجماعة «الإخوان» والتداعيات على التماسك الاجتماعي والأمن في المجتمعات الأوروبية، كما تم طرح سرديات الجماعة وشبكاتها داخل السياقات الأوروبية.
وتلاها استعراض التجارب والسياسات الوطنية والدولية وما يستلزمه ذلك من برامج لمكافحة التطرف وآليات التنفيذ في التعامل مع التنظيمات الأيديولوجية. وكيفية التنسيق الدولي المشترك والاستفادة من التجارب الأكثر نجاحاً. وركز المتحدثون خلال المنتدى على التعليم والشباب والفضاء الرقمي والتمويل والعمل الخيري، باعتبارها مجالات تستدعي الشفافية والرقابة والمتابعة.
كما منح المنتدى مساحة بارزة لمناقشة تأثير التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في انتشار الخطابات المتطرفة وتسهيل عمليات استقطاب الشباب عبر الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما استدعى ضرورة تطوير أدوات قياسية ورقابية كمؤشر قوة «الإخوان» الصادر من مركز تريندز للبحوث والاستشارات والقادر على رصد أنماط الخطاب المتطرف والتنبؤ بمساراته في ظل هذه التحولات المتسارعة. كما عكست هذه النقاشات والمداخلات تعدد زوايا النظر، من التشريع والرقابة المالية إلى المناهج التعليمية والتماسك الاجتماعي.
وأشار الخبراء المشاركون في الفعاليات إلى أن الجماعات المتطرفة باتت تستخدم أكثر من أي وقت مضى الذكاء الاصطناعي في التجييش والإعداد للمعارك وحتى للتنظيم اللوجستي المعقد، وأن هذا الاستخدام أصبح بنيويًّا في آليات إداراتها لتحقيق أهدافها المستقبلية، ومن ثمَّ يجب أن تواكب آليات مجابهة الجماعات المتطرفة هذا التطور.
كما توصلت مناقشات المنتدى إلى استنتاج جوهري مفاده أن الأدوات الأمنية والقانونية، رغم أهميتها، غير كافية بمفردها لمعالجة التطرف. فالمواجهة الفاعلة تتطلب استراتيجيات وقائية طويلة الأمد، تقوم على التعليم والتفكير النقدي وتعزيز الثقافة الرقمية، إلى جانب ترسيخ قيم المواطنة المتساوية والتسامح. وفي المقابل، شددت المناقشات على ضرورة إخضاع أي إجراءات قانونية لمعايير دقيقة تكفل حماية الحريات العامة، وتمنع الانزلاق نحو وصم جماعي للمجتمعات المسلمة. تكمن أهمية هذا المنتدى في توصياته التطبيقية وإعطائه المثل في بناء الجسور بين مراكز الفكر والبرلمانات والمؤسسات الأكاديمية.
وقد بعثت النسخة السادسة من منتدى تريندز حول الإسلام السياسي، بامتدادها من لندن إلى باريس، رسالةً واضحة مفادها أن التعامل الحكيم والرشيد مع ملف الإسلام السياسي يحتاج إلى تعاون وتنسيق دولي، وفهم عميق للأفكار والشبكات التنظيمية، ونهج متوازن يصون أمن المجتمعات المفتوحة من التطرف، من دون المساس بالتعددية الدينية وحقوق المواطنة. وأن مواجهة التطرف الإسلاموي في أوروبا تتطلب الانتقال من منطق ردِّ الفعل المؤقت إلى بناء استراتيجيات طويلة الأمد، تقوم على فهم طبيعة الظاهرة وتطورها المستمر.
شيخة النعيمي*
*باحثة -مركز تريندز للبحوث والاستشارات.