منذ تأسيس النظام الدولي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن العالم في أي وقت مضى أكثر امتلاكاً للأدوات والمؤسسات والموارد والمعرفة مما هو عليه اليوم، ومع ذلك فهو يعيش أسوأ الأزمات، من حروب وصراعات، وفقر وجوع، واضطرابات اقتصادية وتغير مناخي، ونزوح ولجوء، وأزمات غذاء ومياه وصحة وتعليم، وتهديدات أمنية تتجاوز الحدود.. إلخ. 
تختلف الجغرافيا، لكن الألم واحد، والإنسان هو مَن يتحمل أكبر التكاليف الناجمة عن الأزمات العالمية. وتتهدد العالمَ الكثيرُ من الأخطار، وتتداخل النزاعات المسلحة مع الفقر وضعف التنمية. وتبدو الاقتصادات الصاعدة على موعد مع العديد من التوترات التي تنذر بالمخاطر، كما تعيد الحروبُ هواجسَ الأمن والطاقة والإنفاق العسكري، ولا تزال بعض ملفات التاريخ والهوية والحدود قابلةً للاشتعال، فيما تفرض تحديات الديون والتضخم والجريمة المنظمة والهجرة، المزيدَ من الأزمات والكوارث الدولية المعاصرة.وإذ تتصدر أزماتُ المياه والغذاء والصحة والهجرة والاستقرار، وإن بدرجات متفاوتة، فإنها جميعاً تعتبر نتاجَ سياسات دول وحسابات مصالح وفشل فادح في تحقيق الإدارة الدولية. وحتى الأزمة المناخية التي أصبحت تمثل الهاجسَ الأكبرَ للعالم، والتي تبدو ظاهرةً طبيعية في نتائجها، تقف خلفها عقود من أنماط الإنتاج والاستهلاك والسياسات الاقتصادية التي قدّمت المصالحَ السياسية على المنافع الاستراتيجية التي حث عليها المجتمع الدولي.
ورغم مضي أكثر من ثمانية عقود على بناء المنظومة الدولية، وقيام شبكة هائلة من المنظمات والوكالات والبرامج الدولية المتخصصة، مثل «منظمة الصحة العالمية» المعنية بتحقيق الصحة، و«اليونسكو» للتعليم والثقافة، و«اليونسيف» للطفولة، و«منظمة العمل الدولية» لشؤون العمل، و«مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان».. بالإضافة إلى برامج ومبادرات مخصصة لمعالجة كثير من مشكلات العالم وقضاياه.. إلخ، رغم كل ذلك فإن التحدي ما زال قائماً والسؤال مطروحاً: هل أسهمت تلك المنظومة، بما فيها من خطط وبرامج ومنظمات ومبادرات وقمم واستراتيجيات ومؤتمرات.. في تحسين حياة الإنسان وفي تحقيق رفاهية الشعوب ومعالجة أزماتها؟ لقد اتضح للعالم مؤخراً، أن المشكلةَ ليست في عجز تلك المؤسسات الدولية عن تحقيق أهدافها، بل في اتساع الفجوة بين الأزمات الدولية التي تعصف بالعالم، وبين ما يتم تحقيقه من نتائج في محاولات حلها. لقد أسهمت المنظومة الدولية بالفعل في مكافحة أمراض، وفي إغاثة ملايين البشر، وفي حماية ملايين اللاجئين، وفي تنفيذ خطط واستراتيجيات دولية مهمة.. لكن المشكلةَ تكمن في الفجوة الهائلة بين حجم المنظومة والنتائج المتحققة، وفي ضعف القدرة على منع الأزمات قبل وقوعها. لقد أصبح العالم بارعاً في إدارة الأزمات أكثر من قدرته على حلها، فالمساعدات تُرسَل بعد المجاعة، والمخيمات تُبنى بعد النزوح، ومحاولات حماية الضحايا تبدأ بعد وقوع الكوارث والحروب، والتوصيات توضع بعد حدوث الكوارث، والمبادرات تقدم لمعالجة الفشل.. بينما تبقى جذورُ الأزمات دون معالجة حقيقية.
والأكثر خطورةً أن المجتمع الدولي نفسه لم يعد مفهوماً محايداً تماماً، وحين تتعارض المبادئ مع مصالح القوى الكبرى، كثيراً ما تنتصر المصالح. وحين تختلف هوية الضحية أو موقع الأزمة أو وزن الدولة، تختلف سرعة الاستجابة وحجمها وأدواتها. وهنا يفقد النظامُ الدولي أهمَّ عناصر قوته المتمثلة في الثقة، فالعالَم اليوم ليس بحاجة إلى تقييم منظمته الدولية، وإنما إلى مراجعة جذرية لمعنى العمل الدولي وطبيعته.
ويبقى المقياس الحقيقي لنجاح المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة، ليس عدد الوكالات ولا حجم المبادرات ولا هدف الاستراتيجيات، بل التوجه مباشرةً إلى النتائج والمخرجات، فكم حرباً استطاع منعَ وقوعها؟ وكم أزمةً نجح في منع حدوثها؟ وكيف استطعنا إنهاءَ مشكلات الدول ومعاناة الشعوب؟ حينها فقط سندرك كيف أخفق المجتمعُ الدولي في معالجة أزماته، وكيف تسبب فشلُه في تعميق معاناة الشعوب.


*كاتبة إماراتية