قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بـ«زيارة دولة» للعديد من الدول الشقيقة والصديقة في قارات الدنيا، بيد أن زيارته لألمانيا قبل أيام، بدت ذات طابع خاص ومميز، ولذلك وصفها الخبراء والمتابعون بـ«التاريخية».
بداية تنبغي الإشارة إلى أن «زيارة الدولة» تنطوي على معنى سياسي كبير، فهي أهم أشكال الاتصالات الدولية في المجال الدبلوماسي، ولا تتم إلا بدعوة رسمية من رئيس الدولة المضيفة لنظيره رئيس الدولة الزائر، ليكون فيها ضيفه شخصياً، وتُعد الأعلى مستوى بين أنواع الزيارات التي تتم بين قادة الدول، ولها مراسم وبروتوكولات خاصة، لتؤكد ما بلغته الإمارات وقيادتها من مكانة رفيعة وتقدير بالغ لدى المجتمع الدولي.
الزيارة التي قام بها صاحب السمو رئيس الدولة إلى ألمانيا، دفعتني للبحث عن عدد الزيارات المتبادلة بين أبوظبي وبرلين، لأكتشف أن زعماء البلدين قاموا بـ14 زيارة متبادلة، على مدار العقدين الماضيين، وعلى مدار العام الجاري فقط، تمت أكثر من 10 زيارات متبادلة لمسؤولين رفيعي المستوى، لعل أهمها تلك الزيارة التي أجراها يوهان فاديفول، وزير خارجية ألمانيا إلى الإمارات 11 مارس الماضي، للتضامن معها في مواجهة اعتداءات إيران، وبحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية.
وهنا يتبادر إلى الأذهان السؤال: لماذا ألمانيا؟
في محاولة الإجابة، سوف ندرك حرص القيادة على إقامة علاقات المميزة مع ألمانيا، كونها القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، وواحدة من أكبر اقتصادات العالم، حيث تمتلك قدرات صناعية هائلة وخبرات هندسية متقدمة ومنظومة شركات مبتكرة، تُعد من بين الأكثر تطوراً على مستوى العالم، ما سبق ينسجم مع رؤى وخطط الإمارات في التحديث والتطور التقني المواكب للعصر وأدواته الحديثة.
فالإمارات في ضوء استشرافها للمستقبل، عزّزت مكانتها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار والتكنولوجيا واستقطاب المواهب، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة أمام الشركات الألمانية، بما يخلق فرصاً تتجاوز الحدود لتشمل أسواقاً إقليمية وعالمية أوسع، ولذلك تُعد الإمارات الشريك الاقتصادي الأهم لألمانيا في المنطقة، حيث تتخذ نحو 2000 شركة ألمانية من الدولة مقراً إقليمياً لخدمة أسواق الشرق الأوسط.
لقاء صاحب السمو رئيس الدولة ونظيره الألماني الدكتور فرانك فالتر شتاينماير، هو اللقاء الثالث الذي جمعهما خلال العام الجاري، وقد بحثا مختلف مسارات التعاون، وشهدا إطلاق الحوار الإستراتيجي وإعلان نوايا بشأن إنشاء مجلس استثمار إماراتي ألماني وعدداً من الاتفاقات، فيما أعلنت الإمارات نيتها استثمار 40 مليار يورو في ألمانيا في عدد من القطاعات، التي تمثّل أولوية تنموية واستراتيجية تعزيزاً للشراكة الاقتصادية طويلة الأمد بين البلدين.
العلاقات الإماراتية- الألمانية وطيدة ومتجذرة، تأسست على مدار5 عقود، وتعزّزت بإطلاق الشراكة الاستراتيجية بينهما عام 2004، وتعكس المؤشرات الاقتصادية قوة هذا الزخم، فوفقاً للأرقام الرسمية، تشير البيانات الصادرة عن جهات تجارية واقتصادية في الدولة إلى أن حجم التبادل التجاري بين الإمارات وألمانيا ناهز 15.5 مليار يورو خلال عام 2025، بنمو يقارب 14.6% مقارنة بعام 2024.
الأرقام تعطينا تصوراً متكاملاً وترسم لنا ملامح واضحة عما تحمله المرحلة المقبلة من فرص كبيرة لتعزيز الاستثمارات المتبادلة والشراكات المؤسسية والتعاون التجاري بين الجانبين، وفي السياق تأتي الزيارة التي تشكّل محطةً نوعية تُترجم رؤية القيادة الرشيدة، والتي تؤكد أن تعزيز الشراكات الدولية بمثابة أولوية استراتيجية للإمارات في ظل المتغيرات العالمية.
بالطبع الزيارة لم تكن قاصرة على بحث التعاون الاقتصادي، فعلى صعيد الأوضاع السياسية العالمية، تأتي الزيارة في وقت مهم تمر به المنطقة والعالم، حيث تتزايد مساعي البلدين لوضع حد للعديد من الأزمات المتفاقمة، وعلى رأسها الأزمة الأوكرانية والقضية الفلسطينية والأزمة السودانية وتعزيز أمن الملاحة الدولية في ظل أزمة مضيق هرمز، وانعكاساتها السلبية على التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
ويمكن للمراقبين بكل يسر، ملاحظة توافق مواقف البلدين في الكثير من الملفات، حيث يؤيد كلاهما الحلول السياسية للأزمات القائمة، كما يؤكدان حرصهما على تعزيز فرص السلام ووضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني، ويتقدم البلدان الصفوف ويبذلان جهوداً كبيرة في مجال الإغاثة الإنسانية والتخفيف عن الشعوب التي تتعرض للصراعات والحروب الداخلية.
الخلاصة، أن التفاهم بين قيادة البلدين والثقة المتبادلة وتكامل الرؤى، هي سر التطور الإيجابي في العلاقات بينهما، فلا يكتفيان بما تم إنجازه، بل يتطلعان معاً إلى مزيد من التعاون البناء من أجل مستقبل أكثر ازدهاراً خدمة لشعبي البلدين الصديقين.