أحدث حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتشدد مفاجأة مدوية يوم 6 سبتمبر الجاري بتصدره نتائج انتخابات برلمان ولاية «ساكسونيا-أنهالت» بنسب بلغت 44 ؜ في المائة بعض المناطق فيما اعتُبِر الاختراق التاريخي الأبرز لليمين المتطرف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أقرت الأحزاب التقليدية بما فيها الائتلاف الحاكم بالهزيمة وسط حالة من الصدمة والتراجع الحاد في شعبية الائتلاف الحاكم الذي حصل في الانتخابات ذاتها على نحو17.2 في المائة؜. 
ورغم هذا الفوز الكبير فمن المتوقع أن تواجه عملية تشكيل الحكومة في الولاية أزمة نتيجة رفض الأحزاب التقليدية الدخول في أي تحالفات مع «حزب البديل»، مما يهدد بتفتت المشهد السياسي، والتداعيات السلبية لهذا التفتت، وقد نُسِب هذا الانتصار لعوامل على رأسها تراكمات السخط الاجتماعي والركود الاقتصادي والمخاوف من ظاهرة الهجرة واللجوء لألمانيا، ومما زاد في وقع المفاجأة أن الحزب يُعْتَبَر حديث النشأة، فقد أُسِّس عام 2013 نتيجة تجمع أساتذة اقتصاد ومثقفين محافظين معارضين للسياسات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، قبل أن يركّز لاحقاً على مناهضة الهجرة واللجوء.
 لكن السبب الأهم في المفاجأة دون شك أن استطلاعات الرأي العام فشلت في التنبؤ بدقة بهذا الفوز الكاسح، فعلى الرغم من أنها أشارت إلى تصاعد القوة التصويتية للحزب فإن توقعاتها كانت تشير إلى منافسة محتدمة، أو تقدّم بفارق ضئيل، لكن حصول الحزب على قرابة نصف الأصوات تجاوز بضعف ونصف ما كان يُقَدَّر له في بعض الاستطلاعات، ويُلاحظ أن الحزب تجاوز أفضل نتائج له في أي انتخابات سابقة بنسبة تفوق الثلث، وتمثّلت في تصدره بحوالي 33 في المائة؜ انتخابات ولاية تورينجن في سبتمبر2024، كما يُلاحظ أنه حصل في تلك الانتخابات على حوالي 31 في المائة ؜من الأصوات في ولاية ساكسونيا التي شهدت المفاجأة الأخيرة، أي أن قوته التصويتية في الولاية زادت في سنتين بأكثر من الثلث.
وقد أثارت هذه المفاجأة عدداً من التوقعات المتعلقة بالمستقبل القريب للحزب في الانتخابات الاتحادية المقبلة 2029، خاصة وأنه يتصدر استطلاعات الرأي في ولايات أخرى، علماً بأنه حصل في آخر انتخابات (2025) على أكثر قليلاً من خُمس مقاعد البرلمان الاتحادي، ويرى بعض التحليلات أن استمرار تصدر «البديل» بنسب تتراوح بين 30 و40 في المائة ؜ قد يصيب ما يُسَمَّى بـ«جدار الحماية» بالتصدع، وهو الذي يقوم على مبدأ الرفض القاطع للتحالف مع اليمين المتشدد في أي ائتلاف حكومي، ذلك أن استمرار صعود الحزب بهذه النسب التي تقترب حثيثاً من نصف الأصوات، مع استمرار تراجع شعبية الأحزاب التقليدية الرئيسية، قد يجعل استمرار هذا المبدأ موضع شك، لأنه يجعل من تشكيل أي حكومة مستقرة من دون مشاركة حزب «البديل» أمراً شبه مستحيل، مما قد يجبر بعض الأحزاب على مراجعة مبدأ رفض التحالف مع «حزب البديل». 
 وسوف يكون لوصول حزب «البديل» للسلطة في ألمانيا سواء بمفرده، أو عن طريق التحالف مع حزب صغير كالتحالف اليساري الشعبوي الذي يتفق مع البديل في ملفات بعينها من أهمها سياسات الطاقة ومعارضة تسليح أوكرانيا، تداعيات بالغة الأهمية لا على ألمانيا وحدها وإنما على أوروبا ككل، بالنظر لسياسات «البديل» الخاصة بالاتحاد الأوروبي، خاصة أن عدد الدول الأوروبية التي يحكمها اليمين المتطرف أو يشارك في حكمها، أو بمقدوره أن يُعَطِّل سياسات الحكومة فيها لا يقل الآن عن 6 دول، وهو ما يثير أسئلة حقيقية عن مستقبل أوروبا.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة