سيظل يوم11 سبتمبر 2001 محفوراً إلى الأبد في قلب أميركا ووجدانها. ولن ينسى أي شخص عاصر ذلك اليوم أين كان عندما علم بالمأساة. لقد جاء الهجوم، حرفياً، من حيث لا نتوقع، كاعتداء على مدننا لم نشهد مثله منذ حرب 1812. كنت في مكتبي بالبيت الأبيض عندما أبلغني مساعدي، وهو ضابط شاب، بأن طائرة اصطدمت بمركز التجارة العالمي. ظننت أنه حادث عرضي، وكذلك الرئيس بوش الذي كان في فلوريدا. وبعد 17 دقيقة اصطدمت طائرة ثانية بالمركز. نُقل الرئيس سريعاً إلى الطائرة الرئاسية، بينما نُقلت إلى مخبأ في البيت الأبيض، وكان نائب الرئيس هناك. وكان وزير الخارجية كولن باول في بيرو، بينما نُقل مدير وكالة الاستخبارات المركزية جورج تينيت إلى مكان لم يُكشف عنه.
وعلى متن الرحلة 93 التابعة لشركة الخطوط الجوية المتحدة «يونايتد إيرلاينز»، قرر ركاب شجعان، بعدما علموا بالدمار، عدم السماح للإرهابيين بالمضي في مخططهم. فاندفعوا إلى قمرة القيادة في عمل فدائي يُرجح أنه حال من دون هجوم على مبنى الكابيتول. وفي البنتاغون، عصب الدفاع الأميركي، كانت قصة أخرى تتكشف. فلم يتمكن ضباط غرفة العمليات من الوصول إلى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ثم رأيت على شاشة التلفزيون حفرة يتصاعد منها الدخان ومساحة شاسعة فارغة في جانب البنتاغون. لم يكن هناك شك بأن الولايات المتحدة في حالة حرب. اليوم نتذكر أرواح 3 آلاف بريء أُزهقت قبل 25 عاماً، وفي مقر البنتاغون فقذ 184 شخصاً حياتهم. وخلف كل اسم قصة: حياة ذات قيمة، ومستقبل لم يتحقق، وفراغ في قلب أسرة أو صديق. نجتمع لنقول إنهم لن يُنسوا أبداً. ونتذكر أيضاً شجاعة الناجين الذين اندفعوا الكثير منهم نحو الخطر وبحثوا وسط الدخان، وسحب رامسفيلد نفسه أشخاصاً إلى بر الأمان، بينما حاول أفراد حمايته إبعاده.
وانضم أفراد فرق الاستجابة الأولى إلى أناس عاديين لإنقاذ من استطاعوا والصلاة من أجل من تعذر إنقاذهم. ومن الطبيعي أن نتأمل في البنتاجون ما حدث، وكذلك ما فعله الناس. فقد استحضروا روح الواجب التي تعيشها قوات الجيش، وهي أن يحولوا بين الخطر والمواطنين، وعدم ترك الرفاق، وأداء الواجب وخدمة الوطن. واتبع المواطنون الأميركيون النهج نفسه، حيث تبرعوا بالدماء، وملأوا دور العبادة للصلاة، واعتنوا بالضعفاء وواسوا أسر الضحايا. وعمل مراقبو الحركة الجوية حول العالم لإنزال الطائرات المحولة بأمان. وللمرة الأولى في تاريخه، أعلن حلف شمال الأطلسي بموجب المادة الخامسة أن الهجوم على عضو واحد هجوم على الجميع.
وفي كندا، استقبل مواطنون مسافرين عالقين في منازلهم لأيام. لقد سادت أعمال البطولة والتعاطف، التي كانت استثنائية في الكرم والطيبة التي أظهرها الناس. وجاءت ردود أفعالنا بطرق لم يتخيلها المهاجمون. وكانوا يعتقدون أنهم سيرهبوننا حتى نتراجع، لكنهم اختاروا الأشخاص الخطأ. فقوتنا تكمن في إيماننا بوطننا وببعضنا، وفي إدراكنا لقيمة تضحيات 250 عاماً، وإيماننا بأن أميركا بلد استثنائي.
وعندما نُختبر، نكون متحدين وعازمين. ويحمل كثيرون منا إيماناً بأن لأميركا دوراً في خطة الله لمستقبل أفضل للبشرية.
كانت الأيام التالية للهجمات عصيبة ومفعمة بالمشاعر والاختبارات القاسية. وفي اليوم التالي رافقت الرئيس جورج بوش الابن إلى البنتاغون لشكر فرق الاستجابة الأولى. رأيت المبنى مملوءاً بالدخان والتقيت أشخاصاً عملوا أكثر من 24 ساعة بلا راحة تقريباً. وكانوا منهكين لكنهم ملتزمون، ومنحوني الثقة بأننا سنكون بخير. وعندما عدت إلى شقتي، كانت ملابسي تفوح منها رائحة الدخان والسخام، وكانت لحظة حزن عميق. وفي الجمعة التالية، بدا موكب الرئيس إلى الكاتدرائية الوطنية كأنه موكب جنائزي. لكن أجراس الكنائس دقت واصطف الأميركيون في الشوارع، ولفت انتباهي رجل يحمل لافتة تقول: «بارك الله أميركا. لن نسمح للإرهاب بأن يرهبنا».
وفي الختام، أريد أن أقول شيئاً شخصياً للغاية، فنحن، الذين كنا آنذاك في مواقع المسؤولية، لم نرصد الخطر القادم في الوقت المناسب لمنع هجوم 11 سبتمبر. فعلنا ما بوسعنا، لكنه لم يكن كافياً. وأنا ممتنة لعدم وقوع هجوم آخر، وللقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات التي أبقتنا آمنين بتضحياتها. لكنني سأحمل دائماً ندماً عميقاً على ألم أسر الضحايا وعلى الصدمة التي عانت منها بلادنا.
ويجب أن نستغل هذه الذكرى لنقل دروس ذلك اليوم لجيل لم يكن قد وُلد وقت الهجوم: إن الكراهية والخوف لن يحكما العالم، وإن اليقظة ضرورية، وإننا شعب واحد رغم اختلاف أصولنا، وإن علينا حماية بعضنا بعضاً. وإن الحرية هشة، ويجب أن تدافع عنها كل أجيالنا، وألا نعتبرها أمراً مفروغاً منه، إذ يخبرنا الرسول بولس أن المعاناة تثمر المثابرة والرجاء. لقد وضعت أحداث 11 سبتمبر بلادنا أمام اختبار قاس، لكنها لم تكسرنا. وبينما نواجه التحديات الكثيرة المقبلة، عسى أن تمنحنا ذكرى استجابتنا لتلك التجربة المؤلمة أملاً في مستقبلنا كدولة وكشعب. بارككم الله، وليواصل الله مباركة الولايات المتحدة الأميركية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*مديرة معهد هوفر بجامعة ستانفورد مستشارة سابقة للأمن القومي في إدارة بوش الابن.