أسفرت قمة منظمة شنغهاي للتعاون، التي عُقدت مؤخراً في قيرغيزستان، عن تعزيز التعاون في مجالي التجارة والأمن، وأكدت على بداية عهد جديد من التعاون بين الدول الأعضاء. وكان شعار القمة السادسة والعشرين للمنظمة «25 عاماً من تعاون شنغهاي: معاً نحو سلام وتنمية وازدهار مستدامين». وفي إطار هذا الشعار، ناقشت الدولُ الأعضاءُ قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب، والتجارة والاقتصاد، والاتصال والنقل، والطاقة والتعاون الرقمي. واتفق القادة على إنشاء «مركز عالمي جديد لمكافحة التهديدات الأمنية» للتصدي للإرهاب والتطرف.
وأسفرت القمة عن 13 اتفاقية رئيسية، وشهدت «إعلان بيشكيك» بمناسبة الذكرى الـ25 لتأسيس المجموعة. وتشمل الأولويات الرئيسية في الاتفاقية: الجهود المشتركة للدول الأعضاء لمكافحة «الشرور الثلاثة»، أي الانفصالية والتطرف والإرهاب، ومعارضة العقوبات الأحادية، واعتماد اللغة الإنجليزية لغةَ عمل رسمية، ووضع خطة عمل للخدمات اللوجستية والتقنيات الناشئة في منطقة أوراسيا. كما حددت الاتفاقيةُ ضرورةَ تعزيز الأمن الإقليمي، وتدابير مكافحة الإرهاب، والتنسيق الاقتصادي من خلال التبادل التجاري بالعملات المحلية. وأكدت الاتفاقية أيضاً على السيادة الوطنية في نقل البنية التحتية، وأقرت أطراً بديلة وآلياتٍ منسقةً للإغاثة في حالات الكوارث، والحوكمةَ المسؤولة للذكاء الاصطناعي. وتُبرز هذه التطورات بعض النتائج الملموسة للقمة التي تجمع مجموعة متنوعة من الدول.
وبالنسبة للهند، مثلت منظمة شنغهاي للتعاون فرصة لممارسة سياسة التحالفات المتعددة. وخلال القمة الأخيرة للمنظمة، دعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى تعزيز الترابط الاقتصادي، مع التشديد على السيادة والتعامل مع التداعيات العالمية للصراعات على الطاقة والتجارة. وأكد أن بلاده تدعم جميع جهود ربط الأسواق، وتيسير التجارة، وفتح آفاق جديدة للتنمية. وتتيح المنظمةُ للهند فرصةَ التفاعل مع الصين إلى جانب روسيا ودول آسيا الوسطى. كما وجدت الهندُ والصينُ في كثير من الأحيان أرضيةً مشتركةً داخل المحافل متعددة الأطراف لدفع أجندة الدول النامية.
ورغم تقارب الهند مع الغرب، فإنها تحافظ أيضاً على حضورها في مؤسسات مثل منظمة شنغهاي للتعاون، في إطار تعميق علاقاتها مع تكتلات ودول مختلفة ضمن سياسة التحالفات المتعددة. وتمثّل المنظمة بالنسبة للهند فرصةً لتعزيز علاقاتها مع آسيا الوسطى. وقد أعلنت نيودلهي أنها ستستضيف قمة الهند وآسيا الوسطى العام المقبل. وعُقدت القمة الأخيرة في عام 2022، وكانت القمة الافتتاحية. وجاء انعقادها في وقت تخوض فيه الهندُ والاتحادُ الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم أرمينيا وبيلاروسيا وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان، مفاوضاتٍ متقدمةً بشأن اتفاقية للتجارة الحرة. وتأتي هذه المبادرة تجاه آسيا الوسطى في إطار سعي الهند لتعميق علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع مجموعة من الدول، وذلك كإجراء احترازي لمواجهة حالة عدم اليقين العالمية.
وبالنسبة للهند، فإن تعميق العلاقات مع دول آسيا الوسطى، وهي كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، يوفر فرصاً عديدة ومهمة. فهذه الدول غنية باحتياطيات النفط والغاز والمعادن الحيوية، كما تمثل أسواقاً للسلع الهندية. وبالنسبة لدول آسيا الوسطى لا تمثل الهندُ سوقاً متناميةً فحسب، بل وتوفّر كذلك بديلاً ثالثاً عن الصين وروسيا، القوتين الرئيسيتين في المنطقة. ومع ذلك، لا تزال هناك مشكلات هيكلية، من بينها ضعف الاتصال. فخلافاً للصين وروسيا، لا تشترك الهندُ في حدود برية مع أي دولة من دول آسيا الوسطى، كما أن الطريق البري الوحيد المؤدي إليها غير متاح لأنه يمر عبر باكستان.
وكانت الهندُ تسعى إلى تطوير ميناء تشابهار لربطها بآسيا الوسطى عبر إيران، إلا أن هذا المشروع توقف بسبب العقوبات الأميركية، ثم اندلاع الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران. كما أثَّرت الصراعاتُ على مشروع آخر للربط، وهو ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يضم شبكة من خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة والممرات البحرية التي تربط روسيا بآسيا الوسطى.
ومع ذلك، ورغم ضعف شبكات الربط، تشهد العلاقات التجارية نمواً، مما يدل على وجود إمكانات هائلة للعلاقات الاقتصادية. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند ودول آسيا الوسطى الخمس قرابة ملياري دولار أميركي في عام 2025، بزيادة قدرها 3.5 أضعاف مقارنةً بحجمه قبل 15 عاماً من الآن. وتستورد الهندُ من هذه الدول النفطَ والأسمدةَ والحريرَ الخام وأنابيبَ النحاس، بينما تصدِّر إليها السلعَ المصنعةَ والمنتجاتِ الزراعيةَ والأدويةَ. ويتضح جلياً أن الجانبين يسعيان إلى تعزيز الروابط الاقتصادية.
كما قام مودي بزيارة أوزبكستان، التي أعلنت عن نظام دخول من دون تأشيرة لمدة 30 يوماً للمواطنين الهنود لتعزيز الروابط السياحية والتجارية. واتفق البلدان على رفع العلاقات بين أوزبكستان والهند إلى شراكة استراتيجية شاملة، وناقشا وضع إطار لإمداد الهند باليورانيوم على المدى الطويل، بصرف النظر عن المناقشات حول التعاون في مجال المعادن الأرضية النادرة. وظلّت الاجتماعاتُ الثنائية، وكذلك قمة منظمة شنغهاي للتعاون، مهمةً بالنسبة للهند في سعيها لتنويع علاقاتها مع مجموعة من الدول.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي