يشير أحدثُ تقرير عن التضخم إلى حقيقة صعبة مفادها أن الولايات المتحدة لن تعود إلى معدل تضخم يبلغ 2% في وقت قريب، أو على الأقل لن يحدث ذلك بسهولة.
ومع تسارع التضخم واستمرار انخفاض الأجور الحقيقية، أصبح من الواضح أن فترة تراجع التضخم بسلاسة قد انتهت. وقد ترجع الأسباب إلى سياسات الحكومة، سواء في التجارة أو الهجرة أو الطاقة، لكن ذلك لا يهم المستهلك.
فالاقتصاد الأميركي قائم على معدل تضخم يبلغ 2%، وقد تعهّد رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، بالوصول إلى هذا الهدف، بينما يتجاوز معدل التضخم الحالي ذلك المستوى. ويمتلك الاحتياطي الفيدرالي أدواتٍ لخفض التضخم، لكن السؤال هو ما إذا كان مستعداً لاستخدامها؟ ومن المرجح أن رفع أسعار الفائدة مرة أو مرتين، وهو ما تتوقعه الأسواق بالفعل، لن يكون كافياً لتحقيق ذلك الهدف. والسبب هو أنه إذا كان التضخم يرتفع نتيجةَ قوة الطلب وانتعاش الاقتصاد، فإن رفع أسعار الفائدة عدة مرات يمكن أن يزيد تكلفةَ رأس المال، ويوجه إشارةً قويةً حول التزام الاحتياطي الفيدرالي بمحاربة التضخم. ومن شأن ذلك تهدئة توقعات التضخم وخفض معدله في أفضل الأحوال. لكن ذلك ليس الوضع الذي يجد الاقتصادُ الأميركي نفسَه فيه الآن.
فالتضخم الحالي ناتج عن عوامل تتعلق بالعرض، ولا يملك الاحتياطي الفيدرالي سيطرةً كبيرةً عليها، مثل سوق الطاقة. كما أن القوى الانكماشية التي كانت موجودةً في العقد الثاني من القرن الحالي، مثل زيادة أعداد السكان الأصغر سناً واتساع نطاق التجارة، لم تعُد قائمة. وأصبحت توقعات التضخم أقل استقراراً بعد سنوات من التضخم المرتفع. وبعبارة أخرى، إذا أراد الاحتياطي الفيدرالي خفض التضخم بصورة ملموسة، فقد يحتاج إلى إضعاف الطلب لتعويض مشكلات العرض، بالتزامن مع توجيه إشارة قوية إلى جديته في تحقيق ذلك. وقد يتطلب هذا عدة زيادات في أسعار الفائدة. وسيؤدي خفض الطلب إلى زيادة تكلفة رأس المال ودفع سوق الأسهم إلى الانخفاض.
وإذا كان التراجع الاقتصادي حاداً، فقد يؤدي إلى ارتفاع البطالة أو حتى حدوث ركود اقتصادي. وهذا ما اضطر رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق، بول فولكر، للقيام به. ففي ذلك الوقت، كانت مصداقية الاحتياطي الفيدرالي ضعيفة، وجاء ما عُرف بـ«صدمة فولكر» حين رفع البنك المركزي أسعارَ الفائدة إلى ما يقرب 20% أوائل الثمانينيات، ليثبت قوتَه وصلابته. وظل التضخم منخفضاً لعقود بفضل الاعتقاد بأن الاحتياطي الفيدرالي سيتخذ الإجراءات اللازمة للسيطرة عليه. ولا يزال مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي يتبنون نهجاً صارماً بشأن التضخم، لكن تصرفاتهم لا تعكس ذلك دائماً، فقد خفض البنك أسعارَ الفائدة قبل نحو عامين، في وقت كان فيه التضخم لا يزال مرتفعاً. ومن الصعب تصور أن يقوم وورش برفع أسعار الفائدة القياسية للقروض مرةً واحدةً لتتجاوز 6%، من النطاق الحالي الذي يتراوح بين 3.5% و3.75%، لا سيما عندما يبدأ الاقتصاد في التأثر سلباً، فهو لا يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة من الرئيس فحسب، بل قد يواجه أيضاً مقاومة شعبية. ويمتلك الآن عدد أكبر من الأميركيين أسهماً مقارنةً بما كان عليه الحال في ثمانينيات القرن الماضي، ويشير الاحتياطي الفيدرالي إلى أن صافي ثروة الأسر الأميركية ارتفع بمقدار قياسي بلغ 12.8 تريليون دولار في الربع الثاني، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع قيمة الأسهم.
ومن شأن هبوط كبير في السوق أن يؤدي إلى تدمير قدر هائل من الثروة، في الوقت الذي قد يفقد فيه عددٌ كبير من الأشخاص وظائفهم. وكانت الإجراءات التي اتخذها فولكر غير شعبية في ذلك الوقت، علماً بأن معدل التضخم كان يبلغ 10% عند توليه منصبه. فهل سيتقبل الجمهور حقاً الدخول في حالة ركود اقتصادي لمجرد خفض التضخم من 3% إلى 2%؟إنها معضلة تواجه الاحتياطي الفيدرالي، فمعدل التضخم الذي يتراوح بين 2.5% و3% ليس مثالياً، لاسيما إذا كانت الأجور لا تواكب هذا الارتفاع، رغم أنه يظل أفضل من البديل المتمثل في المخاطرة بحدوث ركود.
ولكن إذا استمر الاحتياطي الفيدرالي في التأكيد على جديته بشأن تحقيق هدف معين دون أن تنجح الولايات المتحدة في الوصول إليه فعلياً، فإن البنك المركزي سيفقد مصداقيتَه. وإذا حدثت صدمةٌ تضخميةٌ كبرى أخرى، فقد يتطلب الأمر وقتاً أطول وأسعار فائدة أعلى بكثير لكبح جماح التضخم. *كاتبة متخصّصة في الشؤون الاقتصادية وزميلة بارزة بمعهد مانهاتن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»