يصادف التكريم في دولة الإمارات أهله دائماً، ففي أرض زايد التي تُقدِّر المخلصين من أبناء الوطن والمتفانين في العمل من أجل خدمته حق قدرهم، يصل إلى منصات التكريم من يستحقونه. ويأتي اختيار معالي محمد المر ليكون الشخصية الأولى لمبادرة «أعلام الإمارات» السنوية الجديدة، التي يقدمها معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ليؤكد هذه الحقيقة الراسخة، إذ يذهب التكريم إلى شخصية راكمت، ميراثاً استثنائياً من التميز والإنجاز، وظلّت حاضرة في المشهد الإماراتي على امتداد عقود، لم تتوقف خلالها مسيرة عطائها. ويوفّر هذا التكريم فرصة مهمة لإلقاء الضوء على جوانب مشرقة من شخصية محمد المر ونتاجه الثري.
لقد شرفت بالعمل عن قرب مع معالي محمد المر، من خلال موقعه نائباً لرئيس مجلس إدارة الأرشيف والمكتبة الوطنية، وراقبت عن كثب جديته ودأبه، وقدرته على صناعة الفارق وإثراء مسيرة العمل في المؤسسة بمزيج من عمق المعرفة والخبرات الإدارية الطويلة والسمات الشخصية التي تتيح له أن يضيف الكثير إلى كل مكان يعمل به، وأن يجعل من العمل متعة ومصدراً لا ينضب للدروس والخبرات لكل من حوله.
ولا يقف تأثير معالي محمد المر عند حدود وطنه، إذ أفرد لنفسه مكاناً في تاريخ الأدب العربي والعالمي بوصفه واحداً من المبدعين الكبار، الذين نجحوا في تقديم عالم نابض بالحياة في قصصه القصيرة، من خلال شخصيات وموضوعات ومفردات وأماكن تنتمي إلى عمق المجتمع الإماراتي وموروثه الأصيل، في الوقت ذاته الذي تلتقي فيه مع المعاني والمشاعر الإنسانية الكبرى في كل مكان من العالم، ما يمنحها القدرة على التأثير والإدهاش والبقاء، وهو ما أظهرته ترجمة إبداعاته إلى لغات أخرى. كما امتد اهتمامه إلى المسرح وأدب الرحلات، من خلال كتب مثل «حول العالم في 22 يوماً»، و«زنجبار الجميلة»، إلى جانب كتابه «أم كلثوم في أبوظبي»، الذي يوثّق بالكلمة والصورة وقائع رحلة المطربة الراحلة إلى أبوظبي عام 1971.
ومما يزيد المرء إعجاباً بالصديق محمد المر أنه لم يكن يوماً متفرغاً لتشييد صرحه الأدبي الضخم، بل كان مشغولاً بمسؤوليات ومهام جسامٍ منذ بدء مسيرته العملية، التي شملت مجالات عدة. وما يمنح هذا الإنجاز أهمية مضاعفة أن هذه المسؤوليات ارتبطت، في كثير من المؤسسات التي قادها، بمرحلة التأسيس، وهي الأصعب والأكثر ازدحاماً بالتحديات والصعاب، وهو ما واجهه الرجل في عمله الإعلامي خلال رئاسته تحرير صحيفة «البيان» وصحيفة «جلف تايمز» في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، في الوقت ذاته الذي كان يعمل فيه مديراً لبنك الشرق الأوسط.
والأمر نفسه استمر في مجال المؤسسات الثقافية، مع توليه رئاسة مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم عند تأسيسها عام 1987، ورئاسة مجلس دبي الثقافي لدى تأسيسه عام 2004، إلى جانب إسهامه في تأسيس هيئة دبي للثقافة والفنون، ومؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم التي يرأس مجلس إدارتها منذ بدء إنشائها عام 2016. كما كانت رئاسة المجلس الوطني الاتحادي محطة مهمة في المسيرة الوطنية بكل ما يعنيه هذا المنصب من ضرورة مضاعفة الجهد واستنفار كل الطاقات.
إن مثل هذه الإنجازات تضع الرجل في مصاف البُناة العظام، الذين لا يقتصر عطاؤهم على مجال واحد، بل يصبح كل منهم مؤسسة بذاته. ولا شك في أن الطاقات الفذة والقدرات العقلية والنفسية والبدنية لها دورها، لكن هذه الطاقات لا يمكن لها أن تحقق مثل هذه الإنجازات إلا مع حضور عامل آخر، هو الإيمان بالمهمة والاقتناع بـ«رسالتها» والاحتشاد لها بكل ذرة من كيان المرء، وهو ما يتجسّد في معالي محمد المر، وفي كثير من الكبار من أبناء الدولة الذين أدوا أدواراً مشابهة، ليكتبوا في ظل القيادة الرشيدة ملحمة التقدم والتنمية التي يقف لها العالم احتراماً وإجلالاً.
وإلى ما سبق، تمتد ثقافة معالي محمد المر ومعرفته من الأدب والنقد إلى السياسة، التي درسها في جامعة سيراكيوز بالولايات المتحدة، والتاريخ والعلوم الإنسانية، ومختلف أشكال الإبداع الإنساني في الشرق والغرب، من الموسيقى إلى الفن التشكيلي والعمارة والخط العربي، مستنداً إلى معرفة أصيلة ودقيقة بالتراث العربي في عصور ازدهاره، وإحاطة بمدارس الفكر الغربي واتجاهاته المختلفة، وهو ما أتيح لي أن أكتشفه خلال رحلات إلى مختلف دول العالم.
لقد أسعدني الحظ بمرافقة معالي محمد المر في رحلات كثيرة، عبر عواصم ومدن عربية وعالمية، وكان في كل مدينة يفاجئني بأنه أعدّ، قبل أن نصل إليها، مخططاً دقيقاً لزيارة متحف هنا، وسوق قديم هناك، وأثرٍ ربما لا يلتفت إليه كثير من العابرين.
كنت أظن، في البداية، أن ذلك فضول المسافر وشغفه باكتشاف الأمكنة، إلى أن أدركت أن المفاجأة الحقيقية ليست في اختياره لهذه الأماكن، بل في أنه سبق أن زار معظمها غير مرة، يعرف مداخلها ومخارجها، ويحفظ تفاصيلها الصغيرة، ويتذكر ما تغير فيها وما بقي على حاله. بل إنك تمشي معه في سوق بعيد، فتراه يحيّي بائعاً يعرفه، أو يسأل عن موظف في متحف التقى به قبل سنوات، وكأن له في كل مدينة ذاكرةً تركها هناك، وصداقةً مؤجلة يستأنفها كلما عاد.
ومع مرور الرحلات، أدركت أن معالي محمد المر لا يزور المدن كما نزورها نحن، لا يمر بها عابراً، ولا يكتفي بمعالمها الكبرى وصورها الشهيرة. إنه يقرأ المدينة: تاريخها وعمارتها وأسواقها ومتاحفها ووجوه ناسها. يلتقط تفاصيلها، ثم يختزنها في ذاكرة مدهشة، حتى يخيل إليك أحياناً أن المدن التي نزورها تعرفه بقدر ما يعرفها.
إن اختيار معالي محمد المر ليكون أول من يُكرم في مبادرة «أعلام الإمارات» يتسق مع شخصه وعطائه، فكلَّما تأملت اشتقاقات الجذر العربي «علم» أجده ينطبق على معالي محمد المر، سواء ارتبط الأمر ب«العِلْم» الذي أخلص له، أو «العلّامة» اللقب الذي يستحقه بمعرفته، أو «المعْلَم» الذي يُفخر به ويُهتدى به إلى الطريق، أو «المُعلِّم» الذي ينتمي إليه طلاب أضاء لهم درب المعرفة، أو «العَلَم» بمختلف معانية، فله ما للجبل من مهابة وعلوّ، وما للراية من رمزية وتقدير، ولديه الشهرة والتأثير الإيجابي داخل وطنه وخارجه، فهنيئاً لمعالي محمد المر بهذا التكريم، وهنيئاً للتكريم به.
*كاتب إماراتي