عندما قسّم الفلاسفة قديماً العلوم الفلسفية جعلوها قسمين: علوم نظرية وعلوم عملية، وجعلوا العلوم العملية ثلاثة أقسام: الأخلاق والسياسة وتدبير المنزل. وإذا كان تدبير المنزل قد ارتبط بالاقتصاد عند القدماء، فإننا اليوم نجد أن قلب تدبير المنزل ليس هو الاقتصاد، رغم أهميته القصوى طبعاً، وإنما هو شخص به يستمر الوجود، وبدونه ينقطع، إنه المرأة.
ولعل الفيلسوف الذي منح المرأة مساحةً معتبرة في فلسفته هو أفلاطون، سواء في محاورته «المأدبة»، حيث عرّفنا بالفيلسوفة أوديميا محاوِرَة سقراط، أو «الجمهورية» حيث جعل المرأة شريكاً للرجل في كل شيء مُعْتبر في المدينة، رغم الاختلاف البيولوجي بينهما، بحيث يمكن للمرأة أن تكون حارسة للمدينة، أي منخرطة في سلك الجندية، كما يمكنها أن تدير قيادة الحكم، بل إن بإمكانها أن تصبح فيلسوفة.
لكن الغريب في كل هذا أن فيلسوفنا ابن رشد، وهو يشرح جمهورية أفلاطون، عوض شرح كتاب السياسة لأرسطو، نجده يتبنى موقف أفلاطون ويسعى إلى قراءة مجتمعه الأندلسي على ضوئه، إذ إن ابن رشد لا يرى حرجاً في أن تمارس المرأة في مجتمعه العربي الإسلامي الجندية أو السلطة أو الفلسفة. حقاً، إن ابن رشد لا يجهل أن بعض هذه الوظائف مثل الجندية والسلطة قد مورستا في تقليده العربي الإسلامي، حيث يذكر المؤرخون أن الشفاء بنت عبد الله كانت محتسبة على سوق المدينة في عهد عمر بن الخطاب، إذا اعتبرنا هذه من بعض وظائف الولاية. كما تذكر في هذا الإطار أروى بنت أحمد الصليحية (ت 532هـ/1138م) التي تولّت السلطة في اليمن قبل ابن رشد (ت 595هـ/1198م). وكأن فقيهنا يُنظّر لواقع عربي إسلامي ولا يستشرف واقعاً كما هو الأمر مع المرأة الفيلسوفة، رغم أن وقائع حكم المرأة وإن تعددت صورها في مجتمعه العربي معروفة، مع رضية سلطانة في الهند، وشجر الدر في مصر، والسيدة الحرة في تطوان (بالمغرب)، إلا أن هذه الوقائع كانت استثناءات ولم تتحوَّل إلى قاعدة أساسية.
إن ابن رشد لم يطرح سؤالَ الفقهاء، رغم كونه من أكابرهم، واختلف معهم اختلافاً عميقاً في طريقة بناء السؤال، فإذا كان الفقيه يسأل: ما شروط صحة الولاية؟ فإن ابن رشد يتساءل عن الاستعداد الطبيعي والتربية اللذين يجعلان الإنسان صالحاً للوظيفة السياسية؟ فالقضية عند ابن رشد ليست مرتبطة بالمرأة، وإنما بالإنسان عموماً، ذكراً كان أم أنثى، فإذا توفَّرت شروط الإمكان الفلسفي لتولي الحكم فلا حرج في أن تتولاه المرأة. أما إذا سألنا ابن رشد عن النصوص التي تمنع صراحة تولي المرأة الإمامة، فإنه يجيبنا بأن سبب موقف الشرع لا يرجع إلى طبيعة المرأة من حيث هي امرأة، وإنما يرجع إلى المجتمع ذاته المقصر جداً في إعداد النساء لهذه المهمة، ولغيرها من المهمات التي تبلغ بالمرأة كمالها الإنساني، لأنه حصر وظيفتَها في الإنجاب والعناية بالزوج والأطفال، وامتهان أعمال الغزل والنسيج، وصرف عنها العلوم والخبرة اللتين تبلغ بهما مرحلة الكمال الإنساني.
وينطبق الأمر نفسه على الجانب الفلسفي للمرأة، حقاً لقد عرفت المجتمعاتُ العربية الإسلامية نساء بلغن من العلم مبلغاً واشتهرن بسبب ذلك، سواء في الجانب الفقهي مثل أمنا السيدة عائشة، أو الجانب الحديثي وامتلاك السند والإجازة مثل كريمة المروزية، أو الجانب الصوفي مثل رابعة العدوية، أو الجانب الشعري مثل ولادة بنت المستكفي، وغيرهن من النساء اللاتي برزن في مجلات مختلفة من المعرفة، لكن لا وجود لامرأة فيلسوفة بالمعنى الفني، حيث لا نجد امرأة تضارع الكندي أو الفارابي أو ابن سينا أو ابن طفيل أو ابن باجة أو ابن رشد مثلاً، وإن كانت لبعض النساء نظرات فلسفية مثل ما نجد عند رابعة العدوية، وعائشة الباعونية التي تمثّل نموذجاً لامرأة لم تكتفِ بتلقي المعرفة، بل درَّست وألّفت ونظمت الشعر وشاركت في الحياة العلمية، وتركت مؤلفات جليلة تدور حول قضايا دينية تتعلق بالمحبة الإلهية والمعرفة مثل كتابها «الفتح المبين في مدح الأمين» وكتابها «فيض الفضل وجمع الشمل».
إن هذه القامات النسائية كانت قامات استثنائية في تاريخنا العلمي، وإن دعوة ابن رشد إلى إعادة النظر في تربية المرأة وتثقيفها والاهتمام بالجوانب العقلية فيها لبلوغها مراتبها الإنسانية القصوى، لهي دعوة إلى إخراج الطاقات الكبرى التي تمتلكها المرأة من القوة إلى الفعل حتى تكون أهلاً لممارسة الوظائف الكبرى في المدينة، وخاصة وظيفتي الحكم والتنظير.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية