مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، لم تعُد خسائر روسيا تقاس فقط في الجانب العسكري المباشر، بل أصبحت تقاس أيضاً بآثار الحرب على الاقتصاد الروسي والموازنة العامة للدولة الروسية. ورغم ذلك فما زالت موسكو قادرة على تمويل الحرب، وتوفير كل مستلزماتها، وتجنيد آلاف الجنود شهرياً. 
وقد نجحت موسكو حتى الآن في منع العقوبات الغربية من تحويل الحرب إلى أزمة مالية شاملة، وحافظت على قدرة الدولة الروسية على تمويل الإنفاق العسكري دون مشكلات كبيرة، لكن رغم هذه القدرة الملحوظة فقد ارتفع العجز في الموازنة العامة إلى 2.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، بعدما كان الهدف الرسمي للسنة كلها 1.6 في المئة فقط. وللتقليل من أهمية هذا الرقم فقد اعتبر الكرملين أن ذلك العجز في الموازنة تمكن إدارته، مستنداً إلى حقيقة انخفاض الدَّين العام الروسي، إلا أن ارتفاع العجز وتكاليف الحرب والضرائب والاقتراض، ربما تبدأ الدفع في اتجاه تباطؤ الاقتصاد. 
والواقع أن روسيا في الوقت الحالي لا تواجه أي مشكلات مالية كبيرة، وإن كانت تواجه معادلةً تتعلق بكيفية المحافظة على «اقتصاد الحرب» لسنوات إضافية، من دون التضحية بمصادر النمو في الاقتصاد المدني. وهنا تمكن الإشارة إلى أن موازنة العام المقبل ستكون «موازنة حرب» قبل أن تكون «موازنة نمو»، حيث إن الدولة الروسية لا تتعامل مع الحرب كإنفاق استثنائي مؤقت، بل كعنصر هيكلي في المالية العامة، وهو ما يعني أن الحرب انتقلت من كونها بنداً في الموازنة إلى كونها عملاً يحدد شكل الموازنة نفسها. 
 لقد استطاعت روسيا تمويلَ الحرب، والحكومة الروسية تحتاج إلى إنفاق عسكري مرتفع كي تحافظ على القدرات الحربية للجيش، بينما يحتاج البنك المركزي إلى تشديد نقدي لكبح التضخم الذي يولده الإنفاق العام بما فيه الإنفاق العسكري. 
أما بالنسبة لقدرة روسيا على الاقتراض فلا تزال قدرةً عالية، لكن ارتفاع أسعار الفائدة قد يؤدي مستقبلاً إلى زيادة خدمة الدين، وتقليص الاستثمار الخاص، وارتفاع تكلفة تمويل الموازنة. وفي هذا الخصوص تشير الأرقامُ إلى أن خدمة الدين بلغت 3.9 تريليون روبل العام الحالي، ويتوقع أن تنخفض إلى 3.76 تريليون العام المقبل، قبل أن ترتفع مجدداً إلى 4.5 تريليون روبل في عام 2028.
وإذا كانت روسيا من الناحية المالية، تستطيع الاستمرار في تمويل الحرب خلال عام 2027 دون أي مشكلات، فهذا التمويل لن يكون بلا أثر على الاقتصاد الروسي. ولذا فإن موازنة العام المقبل ستكون اختباراً للاستدامة أكثر مما ستكون اختباراً للقدرة على الدفع، خاصة إذا ما بقي الإنفاق العسكري عند مستويات مرتفعة.
ومهما تكن الآثار والاستجابات الاقتصادية، فإن الاقتصاد الروسي قادر على إنتاج الأسلحة وتمويل الحرب، أما قدرته على إنتاج النمو المدني ورفع مستوى المعيشة فربما أقل من ذلك. وهنا تبرز المفارقة اللافتة للانتباه، وهي أن الحرب قد تجعل روسيا أقوى عسكرياً على المدى القصير، لكنها ربما تجعل الاقتصاد الروسي أقل قدرةً على المنافسة في مجالات النمو المدنية في المدى الطويل. 


*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية