.. عندما يسيطر حزب واحد على البيت الأبيض ومجلسي الكونجرس، تصبح انتخابات التجديد النصفي بمثابة استفتاء على أداء الحزب الحاكم. وفي ظل انخفاض معدلات تأييد الرئيس دونالد ترامب إلى نطاق الثلاثينيات، وبقاء مسألة القدرة على تحمل التكاليف المعيشية قضيةً رئيسيةً للناخبين، فمن المنطقي أن يركّز «الجمهوريون» على مدى تفاقم المعاناة الاقتصادية في حال تولي «الديمقراطيين» السلطة. ولحسن حظ «الجمهوريين» في الكونجرس، فإن القاعدة «الديمقراطية» تخدم مصالحهم من خلال ترشيح مرشحين يتماشون مع توجهات منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين»، التي يتضمن برنامجها الدعوة إلى وقف تمويل الشرطة وإلغاء مجلس الشيوخ الأميركي.
ولسوء الحظ، كانت حملة الهجوم على الاشتراكية ستكون أكثر فاعلية لو قدم الحزب «الجمهوري» نموذجاً مختلفًا وواضحاً، وبدلاً من ذلك، شهد الحكم «الجمهوري» العامان الماضيان تدخلاً حكومياً في السوق يفوق ما كان يمكن أن يحققه تجمع اشتراكي في الكونجرس. والحقيقة أن منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين» في أميركا تمثل تهديداً حقيقياً لازدهار أميركا ومكانتها في العالم. فهي لا تتبنى فقط سياسات متشددة من شأنها تكرار إخفاقات الاشتراكية داخل أميركا، بل أدلى أعضاؤها بتصريحات معادية للسامية، كما أن معتقداتهم تتعارض إلى حد كبير مع نمط الحياة الأميركي.
وتكمن مشكلة «الجمهوريين» في شهر نوفمبر المقبل في أنهم لا يقدمون تبايناً واضحاً بين إخفاقات الاشتراكية ومزايا الأسواق الحرة. بل على العكس يتبنون بشكل متزايد سياسات توسيع دور الحكومة وممارسة السلطة الفيدرالية، مع إثارة الغموض وإرباك المشهد فيما يتعلق برؤاهم المتنافسة لمستقبل البلاد. ومنذ توليه السلطة، لم تُخفِ إدارة ترامب الثانية ابتعادها عن المبادئ المحافظة التقليدية. وهذا ليس مفاجئاً، إذ لا يصف ترامب ولا نائبه جيه دي فانس نفسيهما بأنهما محافظان، بل يبدو أن فانس يصوغ أيديولوجية سياسية جديدة يُشاد فيها بشخصية هيوي لونغ ويُهاجم فيها ميلتون فريدمان.
وخلال إدارة ترامب الثانية، اصطف «الجمهوريون» المنتخبون خلف الأجندة الاقتصادية للإدارة التي تتسم بتزايد النزعة التدخلية، بما يشمل المقترح الأخير بمنح «شيكات نصر» بقيمة 5000 دولار لكل مواطن أميركي بالغ. وهناك دعوات لتوسيع برامج الاستحقاقات الاجتماعية وفرض لوائح فيدرالية تضع سقفاً لرسوم بطاقات الائتمان، في حين ساهمت سياسات الإدارة في تراكم الدين الوطني إلى مستويات قياسية. واستحوذت الحكومة على حصص ملكية في 32 شركة خاصة، وفرضت ضوابط سعرية على شركات الأدوية الأميركية، وأقرت تعريفات جمركية غير دستورية ربما تسببت في فقدان ما يقرب من 900 ألف فرصة عمل كان من الممكن توفيرها.
وتُعد هذه السياسات الاقتصادية مرتبطة تقليدياً بأفكار الحزب «الديمقراطي» والاشتراكية، لا بمبادئ الاقتصاد السليم وآليات السوق الحرة التي يتبناها الحزب «الجمهوري». ويستهجن العديد من «الجمهوريين» المنتخبين في أحاديثهم الخاصة التدخل الحكومي المتزايد والعلني في الاقتصاد، لكنهم يلتزمون الصمت علناً خشية التعرض لممارسات انتقامية من قبل الرئيس وأنصاره. وقد لا يكون احتجاجهم الصامت مقنعاً بما يكفي للناخبين في نوفمبر المقبل، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن ترامب متراجع بأكثر من 30 نقطة فيما يتعلق بالاقتصاد وتكاليف المعيشة والتضخم.
وبعد سنوات من كونها مصدر إزعاج للقيادة «الجمهورية»، التزمت المنظمات التي كانت يوماً من أبرز مؤسسات الحركة المحافظة الصمت، تاركة سياسات اليسار من دون معارضة. ويسارع الناخبون الأميركيون إلى سحب ثقتهم في السلطة، عندما يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. ورغم تمديد التخفيضات الضريبية الضخمة التي أُقرت في عام 2017 العام الماضي، لا يزال الاقتصاد الأميركي مقيداً بحروب الرئيس التجارية. وتعكس استطلاعات الرأي هذا الواقع الجديد، إذ تُصنف بعض المقاعد «الجمهورية» في مجلس الشيوخ الأميركي على أنها متأرجحة، ومنها ألاسكا وتكساس وأيوا وأوهايو. وفي الوقت نفسه، فتح مرشحو منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين» في أميركا المتطرفون الباب أمام «الجمهوريين» للفوز في ولايات مثل ميشيغان، التي تقع تقليدياً على هامش خريطة الحزب «الجمهوري».
وحالياً، يجد العديد من الأميركيين، ممن صوتوا لترامب أملاً في استعادة الازدهار الاقتصادي الذي شهدته ولايته الأولى، صعوبة بالغة في التمييز بين السياسات الاقتصادية للحزب «الديمقراطي» والمقترحات الصادرة عن البيت الأبيض حالياً.فبدلاً من العودة إلى مبادئ السوق الحرة التي ميّزت ولايته الأولى، يصر ترامب في ولايته الثانية على رسم مسار اقتصادي جديد يرتكز على توسيع الدور الحكومي. وإذا لم يتم تصحيح هذا المسار، سيجد الناخبون أنفسهم في نوفمبر المقبل أمام خيارين: إما نسخة الحزب «الديمقراطي» من الاشتراكية، أو نسخة الحزب «الجمهوري» من الاشتراكية بنسخة مخففة.
*رئيس منظمة «تعزيز الحرية الأميركية».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»