لم تكتف الفئة الضالة بتخريب بلدها تحقيقاً لرغبات ضلالية تغلفها بلبوس من الدين والعقيدة وأي شيء آخر محل تقدير كبير من المجتمع، وإنما امتد حقدها نحو أقدس وأطهر بقاع الأرض ألا وهي مكة المكرمة والكعبة المشرفة، مهوى أفئدة المسلمين من مختلف أنحاء العالم، والمكان الذي ارتبط في وجدان الأمة الإسلامية بمعاني الأمن والسلام والعبادة والطمأنينة.
إن أي تهديد يطال أمن مكة المكرمة أو محيطها لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تطور عسكري عابر، بل هو في الأساس محاولة آثمة يائسة للمساس بمكانة دينية وإنسانية تتجاوز حدود المنطقة كلها إلى أكثر من مليار ونصف مليار مسلم حول العالم. وفي هذا السياق، أثارت محاولة جماعة الحوثي استهداف مكة المكرمة إداناتٍ واسعةً، خصوصاً وأن قد سبق لهيئة الأمم المتحدة، في عام 2016، أن وصفت استهداف منطقة مكة المكرمة بأنه تطور خطير يمس مشاعر أكثر من 1.5 مليار مسلم حول العالم. كما شهدت السنوات اللاحقة إطلاق صواريخ باليستية وهجمات أخرى باتجاه أراضي المملكة العربية السعودية، في إطار تصعيد عسكري تقترفه جماعة الحوثي من وقت لآخر.
وفي أحدث تطور، أعلنت المملكة مؤخراً اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة للحوثيين جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة المقدسة.
وأشارت تقارير إلى أن هذه الحادثة جاءت في سياق تصعيد إقليمي وهجمات تقوم بها جماعة الحوثي، سعياً لتوسيع نطاق دائرة التوتر والاضطراب على المستوى الإقليمي. وتكتسب هذه التطورات خطورتَها من طبيعة المكان المستهدف، فمكة المكرمة ليست مدينة عادية، وإنما هي قِبلة المسلمين جميعاً، وفيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة، ويقصدها المسلمون من مختلف أصقاع العالم لأداء الحج والعمرة. ولذلك فإن تهديد أمنها يثير مشاعر دينية عميقة ويضع مسؤولية حماية أمنها وسلامة زوارها في مقدمة الأولويات. كما أن تكرار الهجمات العابرة للحدود من قِبل الحوثيين يثير تساؤلاتٍ واسعةً حول طبيعة الخيارات العسكرية التي تتبناها الجماعة ومدى مراعاتها لقواعد القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بالحروب والمواجهات العسكرية، وهي قواعد تحمي السكان المدنيين والأماكن ذات الطابع الديني.
وقد وثقت الأمم المتحدة في تقاريرها السابقة هجماتٍ حوثيةً عبر الحدود استهدفت مدنيين وبنية تحتية مدنية في دول المنطقة، إلى جانب تهديدات متعمدة طالت مواقع مدنية ليس لها أي طابع عسكري.
إن خطورة الوصول بالتصعيد الحوثي إلى محيط مكة المكرمة تكمن أيضاً في أنه يضع المنطقة أمام سابقة بالغة الحساسية، ولذلك فالمجتمع الدولي مطالَبٌ بالتعامل مع أمن الأماكن المقدسة باعتباره قضية تتصل بالأمن والسلام الإقليمي والدولي، بل تدخل في صميمهما.
ومن هذا المنطلق تحديداً، فإن حماية مكة المكرمة والمسجد الحرام مسؤولية تتجاوز الاعتبارات السياسية والعسكرية، لأنها ترتبط بحرمة دينية راسخة لدى المسلمين جميعاً في سائر أنحاء المعمورة. كما أن تجنيب الأماكن المقدسة أي أعمال عسكرية أو تهديدات صاروخية أو مسيّرة يمثل ضرورة أخلاقية وإنسانية وقانونية، ويجب أن يكون محل توافق دولي واضح ومعلن دون أي تردد أو لبس.
وتبقى مكة المكرمة رمزاً للسلام والإيمان والوحدة الإسلامية، ومن ثم فإن تحويل محيطها إلى مجال للتهديد أو التصعيد العسكري يتعارض مع طبيعتها ومكانتها. والمطلوب هو تغليب لغة العقل والحوار، واحترام حرمة المقدسات، والعمل على منع استهدافها أو تعريض أمن زوارها وسكانها للخطر، بما يحفظ لمكة المكرمة مكانتَها بوصفها قِبلةَ ومركزاً روحياً يجتمع حوله المسلمون من مختلف أنحاء العالم.
*كاتب كويتي