بعد عقود من الخدمة العسكرية والتعليم والقيادة، ظل سؤال يرافقني: كيف نُعِدّ قائداً عربياً يعرف أحدث نظريات القيادة في العالم، من دون أن يصبح نُسخة من قائد نشأ في بيئة أخرى، ومن دون أن ينفصل عن تاريخه وهويته ومنظومة قيمه؟
من هذا السؤال وُلد كتابي الثاني «القيادة الاستراتيجية في المؤسسة العسكرية: دراسة نظرية وتطبيقية»، الذي احتفيت بإطلاقه في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في الثامن عشر من سبتمبر 2026، والصادر عن مركز تريندز للبحوث والاستشارات.
لم تأتِ فكرة الكتاب من مطالعة الفهارس وحدها، بل من ملاحظة تكرّرت أمامي خلال أربعين عاماً من الخدمة: بعض القادة العرب الذين يتدربون في كليات حرب أجنبية يعودون متمكنين تقنياً، لكنهم يحملون نموذجاً قيادياً صُمم لسياق آخر. وحين يحاولون تطبيقه في مؤسساتهم، تظهر فجوات، لأن المشكلة ليست في جودة النموذج، بل في غياب الترجمة الحضارية التي تكيّفه مع بيئتنا وثقافتنا وطبيعة مؤسساتنا. وقد تعلمتُ من تجربتي بين التعليم العسكري العربي والأجنبي أن الأول قوي في القيم وأقل في المنهجية، وأن الثاني قوي في المنهجية وأقل فهماً لسياقنا، والحل ليس في اختيار أحدهما، بل في التركيب بينهما.
وعندما بحثتُ في المكتبة العربية، وجدت مؤلفات قيّمة، لكنها في معظمها ترجمات لنظريات غربية، أو تجارب شخصية، أو دراسات تتناول جوانب محددة. وما افتقدته هو عمل يجمع في بناء واحد بين العمق الأكاديمي، والتجربة العسكرية، والجذور الحضارية الإسلامية، وتحدّيات البيئة الاستراتيجية المعاصرة. نحن ندرس كلاوزفيتس وصن تزو والقادة الغربيين، وهذا ضروري، لكننا لا نعود بالمنهجية نفسها إلى تراثنا القيادي لنقرأه بوصفه فكراً قابلاً للتحليل والتطوير، لا مجرد تاريخ للمناقب.
يبدأ هذا التراث بالنموذج النبوي الذي قدّم مدرسة متكاملة في بناء الإنسان، والشورى، وإدارة التنوع، والتفاوض، وصناعة التحالفات، والانتقال بين السِّلم والحرب وفق المصلحة والمبدأ. ثم يأتي عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الذي لم تقتصر عبقريته على قوة الشخصية، فقد حوّل القيم إلى مؤسسات، والعدل إلى ممارسة، والمسؤولية إلى نظام للمحاسبة. نظّم الدواوين، وأدار اتساع الدولة، واختار الولاة وراقب أداءهم، وربط سلطة الحاكم بحق الناس في مساءلته. وفي خالد بن الوليد نقرأ عبقرية المناورة والقرار تحت الضغط، وفي صلاح الدين نرى الصبر الاستراتيجي وتوحيد الجبهة قبل المعركة الحاسمة.
غير أن الكتاب ليس عودة عاطفية إلى الماضي، ولا رفضاً للفكر الغربي. فهو يناقش تطور الفكر العسكري من كلاوزفيتس إلى الحروب الهجينة، وتجارب أيزنهاور وشوارزكوف وماك آرثر، ثم ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني والأسلحة الذاتية والتحالفات والمعركة الإعلامية.
وقد حاولت أن أجعل التراث شريكاً في تفسير الحاضر، فمنهج ابن خلدون في تمحيص الخبر، مثلاً، يقدّم أداة عملية لتفكيك حملات التضليل الرقمي في عصر تتشكل فيه الحروب داخل العقول بقدر ما تدور في الميدان.
وينتهي الكتاب إلى نموذج «NADA» القائم على النزاهة، والأهلية، والدينامية، والأصالة. ولأن أي نموذج يجب أن يحاور نقّاده، وضعتُ نقد باربرا كيلرمان لـ«صناعة القيادة» في صلب الفصل الأخير، ودعّمت النموذج بستة عشر مؤشراً قابلاً للقياس، ومصفوفة للتشخيص الاستراتيجي، ودراسة حالة تطبيقية، حتى لا يبقى فلسفة معلّقة.
كتبتُ هذا الكتاب لأن أمّتنا لا تفتقر إلى التاريخ ولا إلى القادة، لكنها تحتاج إلى إعادة قراءة إرثها بعقل معاصر، والاستفادة من العالم من دون أن تفقد ذاتها.
*لواء ركن طيار متقاعد