غالباً ما تُقاس الآثار الاقتصادية للحرب الأميركية مع إيران بما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية، إذ تجاوزت الخسائر التراكمية 1.3 مليار برميل بحلول يونيو الماضي، ما دفع إلى الإفراج عن احتياطيات النفط الطارئة عالمياً، بأكثر من ضعف الكمية التي أُفرج عنها بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022. كما قفزت أسعار النفط والديزل بعد التصعيد الحوثي الأخير.
غير أن التداعيات تتجاوز ذلك بكثير، فقد تسببت الحرب في أزمة سلع أثرت على أسواق متعددة، ومعظم هذه الأسواق لا تملك احتياطيات يمكن الاعتماد عليها. وفي مارس، أصابت صواريخ إيرانية وحدتي إنتاج في منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر. وتوقعت قطر للطاقة انخفاض صادرات المكثفات 24%، والهيليوم 14%، وغاز البترول المسال 13%، والنافثا والكبريت 6% لكل منهما، إضافة إلى تضرر 17% من طاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال. وأدى هجوم واحد إلى اختلال ستة أسواق عالمية للسلع في وقت واحد، مع فترة إصلاح تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، وخسارة إيرادات سنوية تقدر بنحو 20 مليار دولار. ويعتبر ذلك نموذجاً لأزمة سلع متعددة تكشف محدودية الأدوات التقليدية لمواجهة صدمات الطاقة. فقد خفض البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي في 2026 إلى أدنى مستوى منذ جائحة كوفيد-19، مع تعرض الدول النامية للضرر الأكبر. ورغم بقاء أسعار الغاز الطبيعي منخفضةً في الولايات المتحدة، فإن ذلك يعزز الانطباع بأن الأوضاع تسير على ما يرام بالنسبة لأكبر منتج عالمي للغاز أكثر مما يعكس الوضع الدولي. فالدول تعيد ترتيب سياساتها استجابة للصدمة، بما قد يترك آثاراً طويلة الأمد.
وأدى إغلاق مضيق هرمز والهجوم على رأس لفان إلى إخراج نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية من السوق. وعلى خلاف النفط، لا يمكن إعادة توجيه الغاز المسال عبر خطوط الأنابيب لتجاوز ممر ملاحي مغلق. وقفزت الأسعار الفورية في آسيا، فرفعت كوريا الجنوبية واليابان القيودَ على توليد الكهرباء من الفحم، بعد سنوات من تقليص الاعتماد عليه. وارتفع توليد الفحم في كوريا الجنوبية نحو 40% على أساس سنوي في أبريل، وفي اليابان 11%. أما تايلاند، التي تعتمد على الغاز الطبيعي لإنتاج أكثر من نصف كهربائها، فضاعفت هدفها للطاقة المتجددة واتجهت إلى الطاقة النووية للمرة الأولى.
ولا يقتصر التأثير على الاقتصاد، فالهيليوم لا يمكن تخزينه مثل النفط، إذ يتبخر خلال أسابيع بعد تسييله، ما يجعل أي توقف في الإنتاج مصدر نقص لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، ومصانع أشباه الموصلات، وصناعة الطيران والفضاء. وقد قفزت أسعار الكبريت، المستخدم في إنتاج الحمض اللازم لاستخلاص النحاس وحفر رقائق السيليكون، ما قلص الإمدادات من مادة تحتاج إليها وزارة الدفاع الأميركية لإعادة بناء أنظمة الرادار كثيفة استخدام النحاس، ولمواصلة تصنيع الرقائق. وامتدت التداعيات لتشمل وقود الطهي والأسمدة. فبعد ارتفاع السعر القياسي للبروبان الآسيوي بأكثر من النصف خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب، قدرت الوكالة الدولية للطاقة أن مليارات الأشخاص ربما تأثروا بالصدمة.
وعادت أسر في جنوب آسيا وأفريقيا إلى الفحم بعد تحولها إلى الغاز، ما عكس خلال أسابيع سنوات من التقدم الصحي. وكانت الصين أكثر قدرة على امتصاص الصدمة. فقبل الحرب، امتلكت نحو 1.4 مليار برميل من النفط الخام في الاحتياطي، بينها نفط إيراني وروسي وفنزويلي اشترته بأسعار مخفضة وسط العقوبات الغربية. واستخدمت هذه الاحتياطيات لتقليل تعرضها للصدمة، مع خفض وارداتها المرتبطة بمضيق هرمز بملايين البراميل يومياً. ونتيجة لذلك، تتحول الحرب التي استهدفت الضغط على إيران وطمأنة حلفاء أميركا إلى حافز لدول عدة لطلب أمن الطاقة من بكين بدلاً من واشنطن.
وكانت خريطة الطاقة قبل 28 فبراير تقوم على افتراض أن مضيق هرمز سيواصل نقل الغاز والمواد الكيميائية والوقود بصورة منتظمة. وقد انهار هذا الافتراض، وأصبح على الدول التكيف مع واقع جديد.
ويتعين على الولايات المتحدة أن تستخلص دروساً تتجاوز منظورها الداخلي، وأن تدرك ترابط سلاسل الإمداد. ستنتهي الحرب، لكن آثارها على الاقتصاد العالمي ستستمر فترة أطول.
*مدير معهد «باين» للسياسات العامة في كلية كولورادو للمناجم.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»