لم تكن أزمة الإعلام العربي في قدرته على الانتشار؛ أزمته أن انتشاره يتضاعف بينما تتآكل جودته ويتراجع تأثيره. فالوصول إلى الجمهور أوسع وأسرع، لكن ذلك لم يمنح المؤسسات الإعلامية قدرة مماثلة على بناء الوعي، وترتيب الأولويات، وتفسير الأحداث.

وتكمن المفارقة: كلما اتسعت قدرة الإعلام على الوصول، ازدادت حاجته إلى إثبات قيمته؛ فالتأثير لا تصنعه كثرة المشاهدات، بل ما يضيفه من معرفة وتحقق وتحليل وحكم مهني يميّز الجوهري من العابر.

 

وتأتي الأزمة ضمن تحول عالمي. فوفق «تقرير الأخبار الرقمية 2026» لمعهد رويترز بجامعة أكسفورد، يستخدم 54% من المشاركين في 48 سوقاً شبكات التواصل ومنصات المحتوى المرئي للأخبار، مقابل 51% يستخدمون مواقع المؤسسات الإخبارية وتطبيقاتها. كما ارتفعت نسبة من يعدّون هذه المنصات مصدرهم الرئيسي من 22% إلى 30% خلال خمس سنوات. لكن هذا التحول لا يفسر وحده تراجع المؤسسات الإعلامية. فانتهاء احتكار الخبر جعل المعرفة والتخصص والتحقق والتحليل والحكم التحريري أساس تفوقها. غير أن جزءاً من الأزمة صنعته المؤسسات نفسها حين خفّضت استثمارها في هذه العناصر وغلّبت السرعة والانتشار والتفاعل. ومع تراجع تأهيل المحررين، ضعفت القدرة على تقدير قيمة الخبر وترتيب الأولويات، واختل التمييز بين ما يحظى بالاهتمام وما يستحقه.

 


وتكشف أزمة الثقة كلفة التراجع. فقد هبطت الثقة العالمية بالأخبار في تقرير رويترز 2026 إلى 37%، فيما بلغ القلق من التضليل 62%، ولم تتجاوز الثقة بالأخبار على شبكات التواصل 22%. وعربياً، يسجل «المؤشر العربي 2024/2025» ثقة تبلغ 55.7% بالمعلومات والأخبار المنشورة على الصفحات الحكومية الرسمية في وسائل التواصل، و48% بصفحات القنوات الإخبارية، و44.1% بصفحات المؤسسات الإعلامية والصحفيين، مقابل 31.8% لحسابات المشاهير والمؤثرين.

 


غير أن الخسارة الأعمق تتصل بوظيفة الإعلام. فالكاتب والصحفي والمفكر والمراسل المتخصص جزء من البنية الفكرية للمجتمع، والمؤسسة الإعلامية مجال تتكون فيه الأفكار، وتتطور المعرفة بالشأن العام، وتصل عبره قضايا الناس إلى دوائر صنع القرار. وتكشف التغطية المهنية المشكلات وتنقل احتياجات المجتمع، بما يدعم سياسات أكثر استجابة للمصلحة العامة. وتتجلى مسؤولية المؤسسة الإعلامية في التمييز بين ما يحقق التفاعل وما يستحق اهتمام المجتمع. فحين يصبح التفاعل معياراً للأهمية، لا تتغير أولويات النشر فحسب، بل تتغير وظيفة الإعلام نفسها؛ إذ يصبح الأكثر جذباً مقدماً على الأكثر أثراً. وحين تتخلى المؤسسة عن حكمها المهني، تفقد قدرتها على ترتيب الأولويات، وتترك حجم التفاعل يحدد ما ينبغي أن يعرفه المجتمع. وتظهر مفارقة الوفرة الإعلامية: كلما زادت الأخبار، ازدادت الحاجة إلى الإعلام الجيد. فالقيمة ليست في معرفة ما حدث، بل في إدراك دلالته ووضعه في سياقه والتمييز بين العابر والجوهري. وهنا تتحدد الجودة: في الاختيار والتحقق والتفسير، وتحويل وفرة المعلومات إلى فهم يساعد الجمهور على إدراك القضايا والحكم عليها. وهذه الوظيفة تتجاوز المهنة؛ لأنها تمس قدرة المجتمع على فهم نفسه، وقدرة الدول على شرح سياساتها وإنجازاتها ومواقفها، وبناء صورتها، ومواجهة التضليل والروايات المنافسة. فقد تمتلك الدولة اقتصاداً قوياً ومؤسسات متقدمة وسياسة مؤثرة، لكن حضور هذه القوة يتأثر بقدرة إعلامها على تقديمها بموثوقية. وحين تتقدم إنجازات الدول أسرع من قدرة إعلامها على شرحها، تنشأ فجوة بين واقع الدول وصورتها لدى الآخرين، وتُترك مساحة لهم كي يصوغوا الصورة من منظورهم.

لذلك لا يبدأ مستقبل الإعلام العربي باستعادة احتكار الخبر؛ فهذا الزمن انتهى. التحدي هو بناء ميزة معرفية ومهنية تمنح المحتوى عمقاً ودقة لا يوفرهما تدفق المعلومات. وهذا يقتضي الاستثمار في التأهيل التحريري والتخصص والتحقيق والتحليل، وبناء معايير للأداء تقيس قيمة المحتوى وأثره، لا المشاهدات وحجم التفاعل.

فالمؤسسة الإعلامية لن تستعيد تأثيرها بكثرة المحتوى، بل بجودته وعمقه وموثوقيته.

وفي عالم يستطيع فيه الجميع النشر، يصبح المحتوى الجيد أساساً للثقة، والثقة أساساً للتأثير. وهنا تقع مسؤولية الإعلام العربي: استعادة دوره في بناء الوعي وترتيب الأولويات وخدمة المصلحة العامة. فالمستقبل لن يكون للأكثر حضوراً، بل للأقدر على تقديم محتوى يستحق ثقة المجتمع ويؤثر في وعيه.

*كاتب وباحث إماراتي